مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس

17/12/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

منذدخول الفرنسيين الغزاة سورية، وقف البطريرك غريغوريوس موقف المعادي لهم. فبادلوه العداء، وكانوابذرائع شتى يتمنعون عن تقديم المساعدة والتعويض عن القرى الأرثوذكسية بخلاف القرى الكاثوليكية،وغيرها. ومنع على الأرثوذكس المناصب العامة والوظائف وخاصةفي الادارات التي يسيطر عليها الفرنسيون كالجمارك والخط الحديدي الحجازي ومصلحة الريجي(حصر التبغ والتنباك). وعند وفاته حاولوا شق الكنيسة الأرثوذكسية الى قسمين سوري ولبناني والعزف على هذه النغمة بانشاء بطريركيتين ارثوذكسيتين في كل من سورية ولبنان بغية ضرب هذه الكنيسة الوطنية المتجذرة في هذه الأرض، وخاصة عندما حصلت الأزمة الأنطاكية بانتخاب بطريركين انطاكيين،فقد انقسم المجمع الأنطاكي المقدس الى فريقين انتخب أحدهم

مطران اللاذقية ارسانيوس حداد البيروتي، والفريق الآخر انتخب مطران طرابلس الكسندروس طحان الدمشقي. وقد تنادت البطريركيات الأرثوذكسية لوقف الخلاف بعد فترة 3 سنوات من 1928 الى 1931 عانى فيها الكرسي الأنطاكي من تشرذ م وضياع بفضل مؤامرات الفرنسيين. وقدأفتت لجنة مثلت البطريركيات بصحة انتخاب الكستدروس بناء على قانون الانتخاب البطريركي الأنطاكي. على ان يحتفظ ارسانيوس بلقب بطريرك وتكون اقامته في اللاذقية ، ويتولى احد البطريركين السدة الأنطاكية فور وفاة الآخر. وشاءت العناية الالهية وفاة ارسانيوس بعد سنة من هذا الاتفاق في مستشفى القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في بيروت بعد مرض لم يمهله طويلاً،وكان للزيارة التي قام بها الكسندروس الى المستشفى لعيادته وقع الصاعقة على الفرنسيين فأوقفوا دسائسهم اذ ايقنوا بأن الكسندروس لم يقل في قوة الشكيمة عن سلفه غريغوريوس،وحاولوا التقرب منه ولكنه وقف منهم موقف الرافض للانتداب ، وقام( وعلى علم منهم) بمد ثوار الغوطة بمايلزمهم من سلاح وذخائر …

وفي عام 1935 حصلت أزمة جديدة اذ أنشأ السيد ابيفانيوس زائد مطران عكار الكنيسةالسورية الأرثوذكسية المستقلة، فلم تعترف بها لا السلطات الرسمية ولا سلطات الانتداب ولا البطريركيات الأخرى، وقد دامت فترة طويلة وشكلت خطراًعلى وحدة الكرسي الأنطاكي المقدس اذ صار لها اتباع في كل الأبرشيات الى أن تم حلها بعودة السيد ابيفانيوس الى طاعة المجمع.

في عام 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية التي استمرت الى عام 1945 بمآسيها وما عكسته على الوضع الداخلي فأثر سلباًوبشكل كبير على الكنيسة الأرثوذكسية،ولكن موقفها الوطني بقي رافضاً للانتداب الفرنسي وكان موقفاً مشرفاً حاز تقدير واعجاب سائر الفعاليات في البلاد، كما كان الموقف ذاته من قضية فلسطين بدأمع البطريرك غريغوريوس برفض وعد بلفور واشتد مع البطريرك الكسندروس حيث بادر الىتشجيع رعيته للانخراط في جيش الانقاذ 1948 للدفاع عنها ضد العصابات الصهيونية، الى مد يد العون من أجل تسليح الجيش السوري، وتحفيز المغتربين للتبرع الذين لم يبخلوا بالعطاء، حيث تولى توزيع تبرعاتهم على الجيش الوطني، والمقاومة الفلسطينية والعربية في فلسطين، وكان لمطارنة الكرسي الأنطاكي في الأبرشيات

الفضل في جمع هذه التبرعات لصالح القضية الفلسطينية، كما فعلوا حينما ضرب الفرنسيون دمشق بالمدفعية عام1925 ودمروا حي سيدي عامود العريق وقد احترق برمته (16). و عام 1945 حينما ضرب الفرنسيون دمشق ودمروا عدداًمن الأحياء وقصفوا البرلمان و أبادوا حاميته. فقد وزعت التبرعات الواردة من أنطاكية الأرثوذكسية المهاجرة على جميع ابناء الوطن بدون تمييز بالدين والمذهب.

واستمر الموقف الوطني للكنيسة الأرثوذكسية يزداد تألقاً في العدوان الثلاثي على مصر، وهاهو البطل السوري الأرثوذكسي ابن اللاذقية والطالب في الكلية البحرية في مصر يقدم ذانه في الدفاع عن مصر ويغرق بعملية استشهادية البارجة الفرنسية جان دارك. وقد اشاد السيد شكري القوتلي رئيس الجمهورية بهذا البطل في تأبينه له بالقداس الالهي الذي أقامته البطريركية له في الكاتدرائية المريمية بدمشق مهنئاً البطريرك الكسندروس والطائفة الأرثوذكسية بالشهيد وان هذاليس بغريب على وطنيتها وقوميتها.

استمر الكسندروس على السدة البطريركية حتى وفاته عام 1958 . وخلفه البطريرك العلامة السيد ثيوذوسيوس أبو رجيلي وهو من بيروت، واستمر حتى عام 1069 حيث توفي مفلوجاً في مستشفى الروم ببيروت فخلفه مطران حلب الياس معوض وكان راهباً ووطنياً سياسياً محنكاً وحمل لقب بطريرك العرب من مؤتمر لاهور الاسلامي الأول 1974 وقد شارك فيه والقى كلمة المسيحيين العرب عن القدس.وأيد المقاومة الفلسطينية والعربية من أجل استرجاعها.واستمرعلى السدة البطريركية الى 1979

حين وفاته.حيث خلفه البطريرك الحالي اغناطيوس هزيم، ويضيق بنا المقام عن تعداد انجازاته العمرانية والروحية اضافة الىالرؤية الوطنية حيث نال بدوره لقب بطريرك العرب من مؤتمر الطائف الاسلامي وأسهم في وقف الحرب الأهلية اللبنانية وفي مؤتمر الوفاق الوطني اللبناني في الطائف 1989 . ان أعظم مايسجل للبطريرك اغناطيوس تحقيق حلمه بتحويل البلمند من مجرد دير رهباني اكليريكي الى جامعة كبرى تنافس اكبر الجامعات العالمية عراقة.اضافة الى ان عدد الكنائس في دمشق وحدها قد ارتفع في عهده من اربع الى12 كنيسة وازداد عدد الأديرة البطريركية في عهده في سورية من3 أديرة الى7 أديرة ….الخ وان عدد الأبرشيات الأنطاكية بلغ حالياً 20 أبرشية تنتشرفي اربع ارباع الدنيا.وان عددابناء الكرسي فيها يقر ب18 مليون ارثوذكسي يتطلعون الى مدينة انطاكية العاصمة الأساس والى دمشق قبلتهم اينما كانوا وحيثما حلوا.

بقي ان نختم بأن عدد البطاركة على الكرسي واولهم بطرس الرسول وآخرهم اغناطيوس الرابع(الحالي) بلغ 165 بطريركاً. وأن عدد اساقفة دمشق منذ حنانيا الرسول حتى انتقال الكرسي البطريركي الى دمشقمع البطريرك اغناطيوس الثاني عام 1344 بلغ 58 أسقفاً لتتوحد سلسلة اساقفة دمشق مع سلسلة بطاركة انطاكية وليبقى الكرسي الأنطاكي خالداًكما دمشق عاصته الأبدية خالدة.

(محاضرة القيت في رعية كنيسة القديس حاورجيوس الأرثوذكسية /شرق التجارة عام 2005(.

الصفحات 1 2 3 4 5 6