العلامات
مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس
17/12/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
+ قسوة السلطنة العثمانية على الأرثوذكسييين في بلادها لم يعرف الدافع اليها في ذلك الحين، الاما اكتشف وانتشر مؤخراًََ من رسائل نابليون الى سلاطين بني عثمان، وفيها حيث يقول:”…فتشوا عن عدوكم الحقيقي داخل بلادكم لا في خارجها وهذا العدو هو الشعب الأرثوذكسي الذي تحميه روسيا داخل بلادكم كما تحمي سائر الأمم الأرثوذكسية الأخرى وفي مقدتها اليونان …الخ…الخ…”
+ فتنة 1860 الطائفية التي بدأت في جبل لبنان،وامتدت الى زحلة فدمشق ومحيطها، وجبل الدروز وجبل الشيخ وقضى فيها عشرات الالوف من المسيحيين ودمرت قراهم وأحياءهم وفتحت باب الهجرة لمن تبقى منهم حياً هرباً الى بيروت ومنها الى مصر والسودان والأميركيتين…. وكانت فتنة مماثلة قد ضربت حلب عام 1850 .
كان آخر البطا ركة اليونان على انطاكية البطريرك اسبريدون الذي استقال وعاد الى بلاده سنة 1898.بضغط شعبي دمشقي عارم، فانتخب مكانه البطريرك ملاتيوس الدوماني الدمشقي من قبل المجمع الأنطاكي المقدس وعارضهم في ذلك 3 مطارنة يونان (حلب وكيليكيا وارضروم)، ولم تعترف الدولة عليه وتصدر فرماناً بتثبيته الا في عام 1899 اي بعد سنة من المراجعات المستمرة من وكيل البطريرك في اسطنبول، وقامت البطريركيات (القسطنطينية، والاسكندرية وأورشليم ) بقطع الشركة مع البطريركية الأنطاكية، ولم تعترف بالبطريرك ملاتيوس لكونه عربي. وكان هو أول بطريرك عربي منذ وفاة البطريرك الدباس 1724 ونشوء الكثلكة. هذا الحدث التاريخي عبرعنه ابوخلدون ساطع الحصري بأنه أول خطوات ظهور القومية العربية في سورية.
استمر قطع الشركة مع أنطاكية حتى عام 1910 حيت اعترفت البطريركيات الثلاث بالبطريرك غريغوريوس حداد. ولابد من ذكرشخصية عظيمة ظهرت في دمشق لعبت دوراً محورياً في الاعداد للتعريب وهي الخوري يوسف مهنا الحداد (15)المعلم في مدرسة بيته والذي أعاد افتتاح مدرسة البطريركية(الآسية)ونظمها وفق الأسس الحديثة، وافتتح فيها فرعاً لاهوتياً اكاديمياًعام 1851 مع مدرسة للموسقى الكنسية انتمى اليه رجال الأكليروس الذين قاموا بعد ذلك بتعريب السدة الأنطاكية،وفي مقدمهم البطريرك الدوماني.
أما في عامي 1836 و1840 وبعد ان انتخبه الشعب الأرثوذكسي الدمشقي بالاجماع كاهناً. وقد انصرف الى الرعاية والاجتهاد للحفاظ على القطيع الأرثوذكسي وابنائه في دمشق وفي حاصبيان وقد استطاع الحد من انتشار الكثلكة في دمشق وغيرها ورد فريقاً كبيراًمنهم للأرثوذكسية، كما أوقف نشاط المرسلين البروتستانت الانكليز وأعاد بغضاً من المعتنقين الجدد الى حظيرة الايمان.
وبالنسبة لمدارس الآسية فقد درست في عهده مواداً جامعية اضافة الى الدراسة اللاهوتية العالية، وكان يخطط لجعل الآسية جامعة كجامعات خالكي وأثينا وموسكو وبطرسبرج، ولولا فتنة 1860 واستشهاده فيها ودمار المدرسة لكان قد حقق مسعاه وأقام أول جامعة في بلاد الشام وقبل الجامعتين الاميركية واليسوعية في بيروت بعقدين تقريباً.
وكما قلنا فان تلاميذ هذا القديس، كانوامن قام بتعريب السدة الأنطاكية، وكانوا قد تولوا الكراسي الأسقفية في الأبرشيات الأنطاكية، اضافة الى علمانيين عظام كان ابرزهم السيد ديمتري شحادة الصباغ الدمشقي الذي تغرب في القسطنطينيةمن 1846 الى 1890 ولعب دوراً قيادياً في نهضة الكرسي الأنطاكي وخصوصاً في تعريب السدة الأنطاكية(سنتحدث عنه لاحقاً باذن الله).
خلاصة القول عن هذه المرحلة أن النتائج الثمينة التي توصل اليها البطاركة اليونانيون على السدة الأنطاكية ثم العرب، ماهي الا ثمرة جهاد بطولي مستمر لايجارى. وعليه يمكننا الاستنتاج بانه لولم تكن هنالك اسباب قاهرة منها ماهو داخلي ومنها ماهو اقليمي مع ابعاد سياسية واقتصادية نزلت بالأرثوذكسية في بلادنا، لكان تيار الهجوم عليها قد أوقف في الحال.
وبالطبع فقد باشر البطريرك ملاتيوس اصلاحاً داخلياً بدأه بفتح مدرسة اللاهوت الاكليريكية في البلمندعام 1900 ، وبظرف سنوات قلائل تمكن من ارسال بعثة من الطلبة الاكليريكيين ليتموا دراساتهم اللاهوتية العليافي مدارس خالكي واثينا وموسكو.ثم أخذ بانتخاب مطارنة وطنيين لاملاء الابرشيات الشاغرة ومنها كيليكيا(مرسين وأطنة ..) التي انتخب لها المطران الكسندروس طحان الدمشقي، الا أن الرعية في تلك الابرشية و كانت في معظمها يونانية لم تعترف به مطراناًعليها لكونه عربي كما تشير الوثائق البطريركية.
-توفي البطريرك ملاتيوس عام 1906 وانتخب خلفاً له مطران طرابلس غريغوريوس حداد فكان خير خلف لخير سلف في الحفاظ على البيعة الأرثوذكسية والجهاد لأجلها واستمر حتى وفاته عام 1928 .
شهد عهده متغيرات جذرية على الصعيد الوطني والدولي، ففي عام 1910 أعيدت العلاقات مع الكنائس الأرثوذكسية. وفي عام 1913 زار روسيا تلبية لدعوة القيصر نقولا، وئس احتفالات آل رومانوف بمرور 300 سنة على تملكهم العرش الروسي.
وفي عام 1914 -1918 كانت الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها ومآسيها من مجاعة سفربرلك وأوبئة وجائحات جرادن وموت بعشرات الآلاف من الأرثوذكسيين وهجرة كثيفة منهم الى الأمريكيتين .
وتشهد سيرة هذا البطريرك لأفعال الرحمة التي قام بها، وقد استدان بكثافة لتأمين العام للجائعين من كل الأديان والطوائف والشرائح . وقد حاز اعجاب الخصوم كجمال السفاح ثم الجنرال غورو فيما بعد،واعجاب المحبين أمثال الشريف حسين بن علي أمير مكة وولده الأمير فيصل وقد انتزع منه اعترافاً يقضي بأن المسيحيين العرب مواطنون من الدرجة الأولى، لهم ما لأشقائهم في العروبة والوطن من الحقوق والواجبات.وقد ورد ذلك الاعتراف في جريدة العاصمة مع صك المبايعة لفيصل ملكاًعلى سورية عام 1920 .
كان البطريرك هوالوحيد الذي ودع فيصل في محطة القدم جنوب دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تموز 1920 ودخول الفرنسيين دمشق منتصرين، وقد بكى فيصل من هذا الوفاء، وقد انفض عنه الجميع،خاصة عندما قال له البطريرك “ان هذه اليد التي بايعتك ستبقى وفية على العهد الى الأبد”. فانحنى فيصل محاولا ًتقبيل يد البطريرك، تماماً كما فعل قيصر روسيا نقولا عام 1913 في موسكو. انه موقف رائع بدلالاته ان يقبل ملك سورية فيصل ابن حسين بن علي شريف مكة المكرمة وملك العرب وخليفة المسلمين يد البطريرك!!.

