مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس

17/12/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

فأخذ الرهبان الغربيون يدخلون بيوت المسيحيين الأرثوذكسيين في حلب ودمشق كرجال علم” وخير رائدهم في ذلك مساعدة اخوتهم في المسيح “فاستغلوا ذلك واستثمروا سذاجة الشعب الأرثوذكسي المؤمن،وبشروه بما يخالف عقيدته محرضين اياه على اعلان الاتحاد بكنيسة رومية حينما يأتي الموعد(6)، وتدخلوا في أعمال البطريركية وفي انتخابات السدة البطريركية(7) وفي رهبنة دير البلمند ،ودفعوا بفريق من هؤلاء الرهبان وكانوا من حلب الى تأسيس الرهبنة الحلبية(8)، وأخذوا بعض الأولاد النجباء الراغبين بتلقي العلم الى رومة، لتهيئة الظروف المؤاتية للاتحادمع الكرسي البابوي. وما أن جاءت نهاية القرن 17 ،الا وكان قد ظهر عدد كبير من الكهنة والعائلات أرثوذكساً بالاسم وكاثوليكاً بالفعل. وكان أول أسقف في قوام المجمع الأنطاكي المقدس نادى بالكثلكة هو أفتيموس الصيفي ربيب اليسوعيين ومدرسة روما، الذي صارمطراناًعلى أبرشية صور وصيدا بفضلهم. وبفضله هو، وبعد وفاة البطريرك اثناسيوس الدباس سنة 1724 تمت رسامة ابن شقيقته الخوري سيرافيم طاناس بطريركاً، وبشكل مخالف للقوانين الكنسية. لكن الشعب الدمشقي الباقي على عقيدته مع الأساقفة الشرعيين وجد ان أفضل وسيلة لمقاومة هذا المد هي في انتقاء بطريرك يوناني الأصل واللغة ومن اكليروس الكرسي القسطنطيني على اعتبارأن الفرمانات الممنوحة لبطريرك القسطنطينية أعطته الرئاسة على مسيحيي السلطنة العثمانية (بطريرك ملة باشي) وأعطته حقوقاً وامتيازات عديدة تفوق تلك المعطاة لسواه من رؤساء باقي الكراسي الأرثوذكسية. فطلبوا منه ارسال بطريرك للكرسي الأنطاكي على عجل لوقف التدهور الحاصل بعدما تسيد السيدان طاناس والصيفي البطريركية الأرثوذكسية والحقوها ببابا رومية، لاسيما وأن السيد طاناس ارسل الى البابا صك الخضوع له وللكثلكة. فقام البطريرك المسكوني برسامة السيد سلبسترس القبرصي راهب جبل آثوس بطريركاً. جاء المذكور على جناح السرعة عن طريق حلب، فاستقبلته رعيتهابترحاب وحفاوة، وكان وقتها الصوم الكبير، وأولمت له وليمة، وبتدبير سيء من الرهبان الغربيين( بكل أسف) وقد طلبوا من الرعية وضع السمك على المائدة، وفي ذلك مخالفة للصوم الأرثوذكسي، فغضب البطريرك وقلب المائدة. وكانت هي الشرارة التي اشعلت الهشيم، فانقلب معظم أرثوذكس حلب كاثوليكاً

وأعلنوا العصيان. لذا نجد أنه ومنذ تاريخه أن رعية حلب كاثوليكية بامتياز،وقد أثرت الكنيسة الناشئة بالاكليروس والرهبنات، ويقيناً أن هذا الانشقاق ماكان ليتم لولاهذا التدبير المرتب له بدقة وحذاقة وقد أثمر النتيجةالمستهدفة.

وحالما وصل سيلبسترس الى مشارف دمشق،غادرها طاناس مع خاله واتباعه من الكهنة مع الرهبنات بالسرعة ومعه كل موجودات الكاتدرائية المريمية من حلل حبرية، وأواني مقدسة أحضرها البطريرك ابن الزعيم، والبطريرك الدباس من العالم الأرثوذكسي. وكل موجودات الدار البطريركية الى دير المخلص في منطقة صيدا عند خاله افتيموس. فتحول من دير ارثوذكسي أبرشي الى مقر بطريركي. كما استولى على كل كنائس الأبرشة فتحولت كاثوليكية، و استولى الكاثوليك بعدذلك على العديد من الكنائس في أبرشية سلفكياس (زحلة والبقاع وصيدنايا ومعلولا ويبرود وقارة مع العديد من أديارها…)

وهكذا تم انفصال فريق عزيز وغصن وارف من الشجرة الأرثوذكسية الأنطاكية، والتحق بالرئاسة البابوية التي لم تنجح في الحاق الكرسي الأنطاكي بها. وكذلك الحال بالنسبة لكرسيي الاسكندرية وأورشليم ،فأطلق عليهم تسمية الروم الكاثوليك،وتم الأمر عينه مع اتباع الكنائس الشرقية(السريان في بلاد الشام والأقباط في مصر والآشوريين في بلاد الرافدين، والارمن)فنشأت كنائس غربية من وسطها الشرقي الأرثوذكسي، وأقامت لها رومة رئاسات، ودعمتها بالمال وبكل اشكل الدعم اللازم للبقاء والاستمرار، وقد نشأت جميعها تقريباًفي بدايات القرن 18.

في عاو 1724 ومن مقره البطريركي في دير المخلص، أنشأ البطريرك الكاثوليكي كيرلس طاناس أبرشيات مقابلة للأبرشيات الأرثوذكسية، ودعمها بانشاء رهبنات حديثة باشراف الرهبنات البابوية التي مدتها بكل مقومات النجاح،وانتشرت في كل الأبرشيات الأرثوذكسية وفتحت مدارس حديثة واستفادت من دعم قنصلي فرنسا والنمسا صاحبي الحظوة في البلاط العثماني، وجهدت في جذب الأرثوذكس ان كان بالمساعدات أوباستغلال الخلافات وخاصة في القرى على ترشيح كاهن أو مختارأوحتىمجرد خلافات عائلية. فانقلبوا الى الكثلكة، وخاصة في حوران الفقيرة ومناطق أخرى…وحافظ المنشقون على طقوس كنيستهم الأم، بما في ذلك الابقاء على كلمة الأرثوذكسية في كتب الليتورجيا، وارتداء اللباس الكهنوتي الأرثوذكسي(9) والتمسك أكثر باللغة اليونانية طقسياً، وخاصة في الوقت الحالي.(10)

حصل الروم الكاثوليك على اعتراف من ابراهيم باشا قائد الحملة المصرية على بلاد الشام(1831 -1840) ببطريركية مستقلة. بدعم من كبير مستشاريه حنا البحري الكاثوليكي، وبمساعدة من الأمير بشير الشهابي الماروني الذي قاتل الدولة العثمانية الى جانب الحملة المصرية. ثم اعترفت السلطنة العثمانية بهم بمساعي قنصلي النمسا وفرنسا،وانتقاماً من اليونان، ومنهم البطاركة المتربعون على السدة الأنطاكية. وبعد جولات مكوكية مكثفة قام بها البطريرك الكاثوليكي الشهير مكسيموس مظلوم الى العواصم الأوربية، صاحبة القرارفي الرجل المريض (الدولة العثمانية) والى حاضرة الفاتيكان، وبتدخل مباشر من قيادات الرهبنات اللاتينية المقيمة في استانبول صاحبة النفوذ لدى الباب العالي، فاعترفت الدولة ببطريركية للروم الكاثوليك تحت اسم “بطريركية أنطاكية والاسكندرية واورشليم وسائر المشرق للروم الملكيين(11) الكاثوليك” عام 1834 . وبادر البطريرك مظلوم على الفورلنقل المقر البطريركي من دير المخلص الى دمشق اثباتاً للوجود في دمشق عاصمة الكرسي الأنطاكي ولأهمية دمشق روحياً وادارياً وسياسياً. فاشترى من وكيل طائفة اليهود القرائين المندثرة كنيسها الكبير الواقع في حارة الزيتون( وكان الوكيل مقيماً في اسطنبول)، وحول الكنيس الى كاتدرائية باسم سيدة النياح(مقابلاً للكاتدرائية المريمية الأرثوذكسية، وهي على اسم سيدة النياح أيضاً) وبنى الى جانبها ايضاً الدار البطريركية الكاثوليكية، وفي عام 1862 بنى البطريرك غريغوريوس يوسف المدرسة البطريركية في حرمها لتأهيل الكهنة.

التطورات التي مرت على الكرسي الأنطاكي في العصر الحديث :

مرعلى السدة الانطاكية منذ انشقاق الروم الكاثوليك السنة 1724 وحتى السنة 1898 ستة بطاركة يونان من الكرسي المسكوني (القسطنطيني) وثلاثة من الكرسي الأورشليمي.وجدير ذكره ان القرن 18 بكامله مع الثلث الأول من القرن 19 كان مثقلاً بالأحداث التالية:

+ارهاق المسيحيين بالضرائب الباهظة، والقوانين الظالمة اجمالاً، والأرثوذكسيين تحديداً بسبب ثورات اليونانيين التحررية سنة 1770، و(1821 – 1830 )(12) بما في ذلك تسهيل نشاط البعثات التبشيرية البابوية في البلاد.

+بعض الحوادث الداخلية في الكرسي الأنطاكي والتنازع بين بعض الرؤساء (13) على السدة البطريركية ، ومناورات الرهبنات الأجنبية لتوسيع كل خلاف بواسطة تلاميذها ومنهم رهبنات الروم الكاثوليك المزدهرة التي تولت استمالة العديد الى الكثلكة للاسباب السالف ذكرها.

+المشاكل العاصفة مع الروم الكاثوليك.(14)

الصفحات 1 2 3 4 5 6