العلامات
مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس
17/12/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
من ثم جاءت غزوات الفرنج(2 ) فاحتل المجتاحون مدينة انطاكية في 29 حزيران 1098 . وكان يوم عيد الكرسي الأنطاكي، بعد حصار دام سبعة أشهر ارتكبوا خلالها من أنواع الاغتصاب والتدمير المنكرة ضد اخوانهم الأرثوذكسيين (بكل أسف) ما يندى الجبين منه خجلاً…فمنذ دخولهم أنطاكية عزلوا بطريركها يوحنا السابع بعد ان وضعوه في قفص خشبي كالحيوانات ودحرجوه على الجبل فقضى شهيداً،وأقاموا مكانه لاتينياًاسمه برنارد …! كذلك استبدلوا كل أفراد الاكليروس وكانوا يجيدون العربية علاوة على لغتهم (2).
الأصلية، وفي مدة حكم الفرنجة حوالي قرنين من الزمان ، اضطر البطاركة الشرعيون للاقامة في القسطنطينية. ونشير الى أن احدى غزوات الفرنج فتحت القسطنطينية واستباحتها بشكل لم يسبق له مثيل سيما وأنه تم من اخوة في المسيح، لقد انتهكوا المقدسات ومارسوا العهر مع العاهرات والزواني على المائدة المقدسة في كاتدرائية آجيا صوفيا، ودخلوا الكنائس بسنابك خيلهم. واستمر احتلالهم لها مدة زادت عن السبعين سنة .-
-بلغ عدد البطاركة اللاتين على الكرسي الأنطاكي عشرة الى سنة 1268 حينما فتح الظاهر بيبرس البندقداري أنطاكية بعد حصار، ودمرها واستباحها، وقتل وسبى شعبها البالغ 100000 نسمة. في حين أن جيش الفرنجة كان قد انسحب منها قبل وصول بيبرس اليها، والتجأ الى عكا. ولم يكن حال أورشليم وكرسيها الرسولي بأفضل من انطاكية والقسطنطينية والاسكندرية على يد الغزاة الى أن حررصلاح الدين الأيوبي بيت المقدس (اورشليم)ودخلها والى يمينه مساعده المسيحي الأرثوذكسي عيسى العوام.وهكذا انقضى الوجود اللاتيني الروحي من المنطقة، الى أن أعاد اللاتينيون تأسيس بطريركية في الشرق في اورشليم عام 1845. ! واستولوابمعونة القناصل والخلفاء العثمانيين على كنيسة المهد في بيت لحم، وجزء من كنيسة القيامة وكنائس أخرى. كما استولوا على كنيسة حنانيا الرسول بدمشق…ولكن، ترك الفرنجة بعد طردهم، علاقات تجارية واقتصادية واسعة جداً بين الشرق والغرب فضلاًعن الرهبنات الكاثوليكية العديدة التي ثبتت كيان الموارنة تحت سلطة بابا رومية بعد تعديل صورة ايمانهم للكثلكة في سنة 1182 على يد البطريرك اللاتيني اينري سنة 1183 .
كما اسلفنا، كان الفرنجة عنصر بابوي منظم في منطقة البطريركية الأنطاكية. ثم جاء بعد ذلك عصر المماليك والأتراك السلاجقة، وقد اشتهروا باضطهاد المسيحيين، والتعدي على الشعب والشراسة والظلم والانتقام.فكان عهد مؤلم لم يطرأ عليه اي تغيير هام لصالح الكنيسة سوى جهادها المستمر للدفاع عن كيانها، ولاستعادة قواها، وترميم بعض ماتبقى لها من ممتلكات وأوقاف.
-كان البطاركة الأنطاكيون يقيمون في أنطاكية الى حين دمارها على بيبرس 1268 . فكان من جراء ذلك تنقل خمسة بطاركة في أرجاء آسية الصغرى والقسطنطينية وقبرص. وبعد وفاة البطريرك الانطاكي مرقس الأول، تقرر نقل مقر الكرسي الأنطاكي الى مدينة دمشق المدينة الأهم في بلاد الشام، والمدينة الأهم روحياً بعد أنطاكية،اذ كان أسقفها يلي البطريرك في أنطاكية من حيث الأهمية، لذا تقرر أن ينادى بأسقف دمشق يواكيم، وهو الأسقف ال58 بعد الرسول حنانيا (أول اسقف على دمشق) بطريركاً انطاكياً. وبعد وقت وجيز توفي يواكيم، ونصب خلفه اغناطيوس الثاني سنة 1344 فكان أول بطريرك أقام في دمشق في دار البطريركية الحالية في دمشق القديمة. ومن ذاك التاريخ اتحدت سلسلة اساقفة دمشق بسلسلة بطاركة أنطاكية ( الى ماشاء الله) وأصبح البطريرك هو أسقف دمشق.
- بعد سقوط القسطنطينية بيد محمد الفاتح سنة 1453 .( 3) حدث رعب شديد بين مسيحي الكرسي الأنطاكي (وكانوا نحو 90 %أرثوذكسيين ونحو10%من أصحاب الطبيعة الواحدة)وعلى الخصوص في الأماكن البعيدة او المنعزلة عن المدن، ودامت هذه الحال الى ان فتحت بلاد الشام السنة 1517. ولحقتها مصر بقيادة السلطان سليم الأول، ولم يتورع الأتراك عن ارتكاب الأعمال البربرية والوحشية.
نشوء الكثلكة:
في هذا العصربدأت تظهر طلائع البعثات الدينيةالبابوية بحملة تبشيرية، قام بها اليسوعيون الذين كانوا قد فرغوا لتوهم من وقف المد البروتستانتي في أوربة، وكثلكة أرثوذكس البانيا والساحل الشرقي لايطالية .وكان ستار هذا المد التبشيري القول بتعليم المسيحيين وانقاذهم من براثن الجهل. وكان اليسوعيون رجال علم ومزودون بالمال، وقد جعلوا من عاصمة “ملة روم” أي القسطنطينية مركزاً لهم ومنطلقاً لتبشيرهم في كل دائرة الخلافة
العثمانية وبالتحديد في بلاد الشام. وبسبب تكاثرعدد المتعلمين على نفقة الفاتيكان بين المسيحيين المتكثلكين، وغيرهم،الذين أمسوا ارثوذكساً بالأسم، وقد تلقوا العلم في” مدرسة انتشار الايمان في رومة”وباللغة اليونانية
وبسبب ذلك ازدادت الغيرة عند الأرثوذكسيين لاقتباس العلوم، فلم يتمكن الرؤساء الروحيون من اجابة رغبة الشعب بفتح مدارس جديدة منظمة، نظراًلحالة الفقر العامة عند الرعية والراعي،وعدم سماح السلطات العثمانية لهم بفتح هذه المدارس(4)وكان التدريس يتم في كتاتيب ملحقة بالكنيسة وبالحد الأدنى ولم يكن يسمح للمسيحيين فتح حتى مجرد كتاتيب،وان تم ذلك كان يحصل بالسر بعيداًعن أعين السلطات.(5)
فأخذ البطاركة الأنطاكيون والمطارنة يجاهدون ويسافرون للخارج الى اوربة الشرقية مستجدين اكف الشعب الأرثوذكسي والرئاسات الروحية والرسمية لجمع الاعانات من أجل ترميم الكنائس الخربة ومحاولة فتح المدارس. كما أخذت البطريركية تجتهد في تنظيم أمورها الداخلية لتواجه التحديات، وهاهو البطريرك العظيم مكاريوس بن الزعيم يسافر في السنة 1648 الى رومانية وروسيا والبلقان لجمع الاعانات، وقد دامت رحلته ثمان سنوات أصاب فيها من النجاح الشيء الكثير،وأقطع له الأمراء الحسنيو العبادة أوقافاً وأدياراً لصالح الكرسي الأنطاكي. ثم عاد مجدداً برحلة ثانية الى روسيا السنة1861 استمرت لمدة خمس سنوات ، وقد دون ولده الأرشيدياكون بولس ابن الزعيم أحداث هاتين السفرتين.
-في فترة تغيبه وبسبب تسامحه معهم( من وجهة نظرمسيحية حقيقية) بدخول بيوت الرعية الأرثوذكسية، اغتنمت الارساليات التبشيرية الفرصة لجهة فقر الشعب، من جهة،ومن جهة أخرى رغبته في اقتباس العلوم العصرية.

