العلامات
مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس
17/12/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
مختصر تاريخ الكرسي الأنطاكي المقدس
نبذة في تأسيس مدينة أنطاكية:
كان سلوقوس نكتاروس(الظافر) وهو أحد قواد الاسكندر المقدوني قد تقاسم مع القواد الآخرين
امبراطورية معلمهم العالمية بعد وفاته، فكانت منطقة الشرق حتى بلاد السند تحت ولايته، كما آلت الاسكندرية وسائر الشمال الافريقي الى رفيقه بطليموس، وذلك في العام 300 ق.م.
-أراد سلوقس أن يبني عاصمة جديدة له تتمتع بالحصانة بخلاف السويدية (على مصب العاصي)، فصعد الى الجبل الأقرع في 23 نيسان 300 ق.م وقدم الضحية للاله زوس فجاء النسر وحمل الضحية، وطار بها الى جبل سيليبوس وألقاها هناك. ثم عاد في أول ايار فصعد الى الجبل الأقرع وقدم الضحية مجدداً للاله زوس، فجاء النسر ثانية وحمل هذه الضحية وطار بها الى موقع حصين على سفح جبل سيليبوس محمي من ظاهره بجبل آخر، فأدرك أن الاله زوس أرشده الى مكان عاصمته المنشودة. فبنى هذه العاصمة، وأسماها أنطاكية على اسم والده انطيوخوس . تميز موقع هذه المدينة بوقوعه على منحنى نهر العاصي، وقد جمع بين فوائد البر والبحر الذي كان قريباً، والعاصي كان صالحاً آنئذ للملاحة، حتى أن المراكب (مهما كان ثقل غاطسها) تمخر مياهه الى أنطاكية، وهناك كان يتم افراغ حمولتها. وربط سلوقس أنطاكية ببابل (وكانت أعظم مدن الشرق وهي عاصمة الشرق للاسكندر) بطريقين معبدتين تسهيلاً لنقل الجيوش،وتشويقاً لانتقال التجار والسلع. وسعى لتهلين الشرقيين من رعاياهم، فسهل لهم الاقامة في منطقة العاصي.
نشأت أنطاكية أربعة أحياء يحيط بكل منها سور منيع مزدوج لاتزال آثاره بادية حتى الآن،وقد سميت ” تترابولس” (المدن الأربع) باليونانية.وجدير ذكره أن سلوقس أنشأ اربع مدن هي أنطاكية (على اسم والده )وسلوقية (على اسمه) وآفامية( على اسم زوجته) ولاوذيكياس(اللاذقية ) على اسم أمه.
-وفي سنة 64 ق.م، فتح الرومان بقيادة بومبيوس سورية، فجعل انطاكية عاصمة ولاية سورية، ودعاها عين الشرق كله، وجعلها مقراً للحاكم الروماني العام، وربط بها فلسطين مع استقلالها الذاتي لخصوصية اليهود.
كنيسة أنطاكية :
-ان كنيسة مدينة انطاكية تعد من أقدم الكنائس بعد أورشليم، وقد قبلت المسيحية عقيب صعود الرب يسوع المسيح الى السماء بثلاث سنوات. وذلك أنه بعد استشهاد القديس استفانوس في اورشليم سنة 37 مسيحية، جاء انطاكية مؤمنون من قبرص والقيروان ، ونجحوا في كرازتهم، وطارت انباء نجاحهم الى الكنيسة في اورشليم فبعثت العالم العلامة برنابا الذي انضمت اليه جموع غفيرة، فتشجع على الذهاب الى طرسوس، حيث أتى بشاول (بولس الرسول) الى أنطاكية، وأخذا معاً في التبشير هنالك بانجيل السيد المسيح .فازدهرت الكنيسة الأنطاكية واشتهرت في العالم ودعيت فيها الكنيسة مسيحية، وسمي فيها المؤمنون مسيحيين لأول مرة. فخرج منها المرسلون الى أقطار العالم في الشرق والغرب، كما خرجوا من دمشق، حيث زرعوا بذار الدين المسيحي مما جعل لها حقوقاً شرعية على الكنائس الجديدة في الأصقاع الشرقية. فلذلك نرى أسقف أنطاكية متقدماً منذ عهود المسيحية الأولى على سائر أساقفة الشرق، فهو الذي ترأس المجامع المكانية في الشرق( أنقرة سنة 315 وقيصرية سنة 316 ).والتقاليد الشريفة تثبت لنا أن الرسولين برنابا وبولس أسسا كنيسة أنطاكية حوالي سنة 42 للمسيح. وأن بطرس الرسول كان أول أسقف أقيم عليها ومكث على رعايتها ثماني سنوات أي من السنة 45 الى السنة 53 ،وكانت أنطاكية عاصمة الشرق في تلك الأيام تضم نحو 700000 نسمة.
-في سنة 325 انعقد المجمع المسكوني الأول في نيقية، واعترف لكنيسة انطاكية بالرئاسةعلى سائر اساقفة الشرق .
ثم جاء المجمع المسكوني الثاني سنة 381 مثبتاً أعمال المجمع الأول. واعترف المجمع المسكوني الثالث سنة 431 باستقلال كنيسة قبرص عن أنطاكية. ثم منح المجمع المسكوني الرابع سنة 451 لقب بطريرك (1) لأسقف أنطاكية. فالحوادث السياسية والهرطقات الدينية قد عملت على فصل بعض المقاطعات عن أنطاكية أيضاً وعلى تأسيس بطريركيات خاصة لها، ومنها الكنيسة الآشورية في بلاد مابين النهرين وفارس التي دخلت في هرطقة نسطوريوس فحرمها المجمع المسكوني الثالث سنة 431، ثم انفصلت عن انطاكية السنة 498، ومنها الكنيسة السريانية اليعقوبية التي سقطت في هرطقة الطبيعة الواحدة، التي حرمها المجمع المسكوني الرابع سنة 451، وانفصلت في سنة 513. ومنها اتباع هرطقة المشيئة الواحدة، الذين حرمهم المجمع المسكوني السادس سنة 680 ،ومنهم الموارنة أيضاًالذين استقلوا عن البطريركية الانطاكية بانتخاب أول بطريرك عليهم يوحنا مارون سنة 685 ،وكانوا أول كنيسة اتحدت برومه مع وجود الفرنج في بلاد الشام في العام 1182، في عهد البطريرك ارميا العمشيتي، وأعلنت خضوعها لبابا رومه .
-في السنة 1050 استقلت الكنيسة الكرجية الأرثوذكسيةعن أمها كنيسة أنطاكية، وصارت كنيسة ارثوذكسية مستقلة مالبثت الكنيسة الروسيةأن ضمتها اليه عام 1840 ،ثم أعيد اليها استقلالها مع نجاح الثورةالشيوعية في روسيا عام 1917 و تسمت بطريركية جيورجيا.
لغة الكنيسة الانطاكية :
-بقي الكرسي الأنطاكي قروناً طويلة منذ نشأته حتى الفتح الاسلامي للمنطقة في عام 633، اكليروساً وشعباً، معروفاً بصبغته اليونانية ،بالرغم من وجود شعب قليل في شمال سورية يتكلم السريانية. وهذا مايقلل وجود أحبار سريان بين البطاركة والأساقفة وسائر رجال الاكليروس اليوناني الأصل واللغة ، الذين كانوا يتولون شؤون الكرسي الأنطاكي المقدس . ومعلوم أمر مدرسة أنطاكية الشهيرة، وتلاميذها الكثيرين مثل يوحنا الذهبي الفم وغيره ،وكذلك مدرسة اديسا أوالرها (اورفا)، ومدرسة نصيبين (ديار بكر). وهاتان المدرستان كانتا تدرسان اليونانية والسريانية معاً، وقد نبغ في هذه المدارس عدد عظيم من الرجال الذين من بينهم بطاركة وأساقفة لبقية الكنائس أيضاً. ومنذ أن فتح المسلمون أنطاكية سنة 635 أخذت اللغة اليونانية تتضاءل شيئاً فشيئاً ازاء العربية لغة الفاتحين فاندثرت تلك المدارس ولم يبق لها من أثر …ومما لاسبيل للسكوت عنه هو أن هؤلاء الفاتحين كثيراً مااستعانوا بالسريان والآشوريين الذين كانوا يتكلمون السريانية شقيقة العربية. فكانوا يقربونهم اليهم ويستخدمونهم كأطباء وكتبة وموظفين … ويستخدمون بطاركتهم وخصوصاً النسطوريين منهم كأخصام الاكليروس الأرثوذكسي مسهلين لهم الاقامة في مناطق الكرسي الأنطاكي تحقيراًللبطاركة الأرثوذكسيين بعد أن كان أولئك الهراطقة لايجسرون على اجتياز حدود بلاد فارس الى أنطاكية. وبالرغم من ذلك، بقيت اليونانية لغة الكنيسة ورجالها حتى القرن الحادي عشر، عندما ظهر لأول مرة رجال يجيدون اللغتين معاً، فأمسى الشعب لايعرف لغة غير العربية، مما اضطر بعض رجال الكنيسة لتعريب بعض الكتب الطقسية. وكان شيخ التعريب والمعربين الشماس عبد الله بن الفضل الأنطاكي المطران. فقد ظل اختيار الاكليروس بصورة عامة من الذين يعرفون اليونانية والعربية، وكان التبادل لايزال بين رجال الاكليروس قائما ًدون تمييز بين جميع الكنائس، كما كان التضامن بين البطاركة الأربعة آخذاً مجراه الطبيعي فيما يتعلق بوحدة الايمان، واحتمال المصائب في سبيله. ومن أجدى المواقف دلالة، الموقف الذي اتخذه الكرسي الأنطاكي أثناء حوادث الانشقاق الكبير والأخطر في العالم المسيحي سنة 1051.

