العلامات
كنيسة الصليب المقدس
03/01/2010 بقلم: د.جوزيف زيتون
وكما اسلفنا بدأ البناء في هذه المشاريع: فبوشر أولا ًبالميتم، ثم في المدرسة، وقام المهندس روفائيل اسكندر كزما الدمشقي وهو أحد أعلام هندسة الكنائس في الشرق العربي بوضع المخططات الهندسية لبناء كنيسة الصليب المقدس عام 1930 وهي هندسة رومية ، ولكن لما لم يكن ثمة مال لبناء الكنيسة زار وفد من الرعية المحسن المرحوم سابا بن جرجي صعبية (1880 – 1935 )وعرضوا عليه واقعة الحال ( وكان قد عاد من أميركا ميسور الأحوال وبدأ ببناء البناية باسمه في برج الروس) فوافق على بناء الكنيسة وفق الكتاب الذي أرسله الى المجلس الملي بتاريخ 22 أيلول 1930 وهذا نصه حرفياً:
” غب الإكرام، لما كانت طائفتنا الأرثوذكسية المحبوبة بحاجة إلى إنشاء كنيسة لمحلة القصاع في بستان الصليب فتمجيداً لاسمه القدوس إنني أتعهد وأنا بالحالة المطلوبة شرعاً بأنني أدفع من مالي الخاص مبلغ ألف وخمسماية ليرة عثمانية ذهب فقط لاغير لأجل بناء هذه الكنيسة على شرط أن أدفع المبلغ المذكور بعد أن يبنى الأساس من قبل الطائفة. وبعد انتهاء البناء يحرر اسمي عليها فقط دون سواي فأرجو أن تعتبروا كتابي هذا بمثابة تعهد علي لإنفاذ ما ذكر والمولى يوفقنا جميعاً لما فيه مرضاته ودمتم.”
سابا صعبيه
وقد وافق المجلس الملي بجوابه التالي(حرفياً): “تقرر قبول مبلغ الألف وخمسماية ليرة عثمانية ذهبا التي تبرع بها لبناء كنيسة القصاع بموجب الشروط الواردة في التحرير المذكور مع تقديم الشكر وتبليغه ذلك.”
” نقولا الريس، جورج لاذقاني، نقولا شاهين، اسكندر رومية، أمين بطرس قندلفت، الياس عويشق، الإرشمندريت أثناسيوس كليلة”.
وتابعت الرعية بناء الكنيسة بكل همة، فبُنيت الأساسات من تبرعات المحسنين، ومن أموال كل الرعية التي اكتتبت بمبالغ بسيطة، وكثيرون من أفرادها ساهموا بجهودهم وبعملهم اليدوي. ثم أكملت وفق تعهد المحسن سابا صعبيه.(10)
وأذكر أنه منذ حوالي 19 سنة، وفي قداس الهي أقيم كالعادة في كنيسة الصليب المقدس لراحة نفس المحسن سابا من قبل البطريركية في ذكرى عيد شفيعه القديس سابا وكان برئاسة مطران بغداد والكويت المتروبوليت قسطنطين وقد قال في عظته مايلي:” إن سابا صعبيه هذا المحسن الكبير الذي لم يكن غنيا ًكالكثيرين جاد بالكثير من ماله لإشادة هذا المعبد الذي ترتفع فيه الصلوات لمجد الله. لم يكن غنياً كغيره لكن كان ميسوراً ولكنه كان أولاً وأخيراً مؤمناً، لذلك أكمل هذه الكنيسة”.
انتهى بناء هذه الكنيسة عام 1932 وتعد من حيث المساحة الكنيسة الثانية في دمشق بعد الكاتدرائية المريمية حيث تبلغ مساحتها قرابة 900 م2 مع هيكلها بدون المساحة الخارجية، وتتسع لقرابة 1000 مصلٍ، فوق بابها الغربي رخامة على عرض الباب نقش عليها تاريخ بنائها بالعربية واليونانية من خط الخطاط الشهير المحامي نجيب هواويني الدمشقي ( خطاط الملك فاروق). وقد بنيت على شكل الصليب حيث لها باب رئيس من جهة الغرب إضافة إلى باب يميني(جنوبي) وآخر يساري(شمالي)، وقدمت المرحومة أسماء عربيلي زوجة المرحوم سابا الباب الحديدي الأسود الجميل والفخم وقتئذ. وقد قررت الرعية تكريم هذا المحسن الكريم بعد انتقاله مبكرا الى الأخدار السماوية 1935 بأن وضعت تمثالاً نصفيا له عن يمين باب الكنيسة الرئيس. وكانت صلاة الجنازة لهذا الراحل الكريم التي تمت في هذه الكنيسة هي أول صلاة أقيمت فيها ورئسها مطوب الذكر البطريرك المعمار والعلامة الكسندروس الثالث الدمشقي وكانت عرساً حقيقياً. وكانت أكف المحسنين بالرغم من فقر معظمهم قد جادت لإظهار جمال هذه الكنيسة. وكان مقرراً بناء البرجين لكن المشروع لم يتم وقت بناء الكنيسة، حتى قام المحسن الكبير المرحوم بندلايمون كوتسوذنتوس( الشهير بالرومي وصاحب فرن الرومي المشهور) ببناء قبة الجرس عام 1960 وهذا ليس غريباً عنه كمحسن فريد(11). ثم قام السيد المحسن ميشال نقولا سبط الدمشقي ببناء برج الساعة عام 1962 ووضع الساعة الالكترونية النادرة وقتئذ عام 1969.
وكان الخوريان نقولا وجرجس صليبا كاهنا عرنة قد بنيا وعلى نفقتهما أيضاً الأيقونسطاس الرخامي الفخم عام 1936. يحتوي الأيقونسطاس على ثلاثة أبواب ملوكية لها أربعة أبواب فرعية وثماني أيقونات كبيرة على الواقف للرب يسوع ووالدة الإله والمعمدان وقسطنطين وهيلانة والجناح الأيمن من الهيكل على اسم القديس أنطونيوس الكبير وأيقونته في باب الهيكل أما الجناح الأيسر فهو على اسم القديس ديمتريوس وكذلك أيقونته على باب الهيكل المتاخم. مع أيقونات صغيرة مماثلة للتقبيل والتبرك. كما يضم الأيقونسطاس صفاً ثانياً من الأيقونات وعددها 34 أيقونة تمثل أحداثاً إنجيلية، وصفاً علوياً ثالثاً مكوناً من أيقونة السيد في المنتصف وست أيقونات لستة رسل من اليمين ومثلها في اليسار، ويعلو المنتصف صلبوت كبير. وهناك اثنان أحدهما على اليمين والثاني على اليسار.وضمت الكنيسة في تاريخها الكثير من الأيقونات من النوع التقليدي الشائع في أواخر القرن19 والقرن20 وقد تجملت بها الكثير من الكنائس الجديدة وكنائس الأديار في أبرشية دمشق وانتشرت أيقونسطاسات رخامية فخمة على محيط الكنيسة الداخلي وعلى أعمدتها الضخمة.
وكبقية الكنائس الرومية التقليدية تقدم محسنون كثر( بتدبير من وكالة الكنيسة حينما بنيت) بكراسٍ جداريه خشبية مع مقاعد خشبية بالإضافة الى ملحقات خشبية وأثاث خشبي محفور قدمته أسرتنا أسرة زيتون الدمشقية (12) من حفر أفرادها وكانت مؤلفة من المرحومين جدي فارس ووالدي جورج وعمي نقولا وشقيقي الشهيد مروان في سبيل الوطن وقد تمثلت بالأبواب الملوكية الثلاثة وهي غاية في الروعة لجهة دقة الصنع، وأيقونسطاسات للمذبحين داخل الهيكل مع طاولات للخدمات الكنسية كافة، وحاملات أيقونات، وقرايات الأناجيل، ولوحة للصلاة الربانية فوق الباب اليمين من الداخل، وبرواز خشبي محفور بداخله ابيطافيون فوق الباب الرئيس داخل الكنيسة، وبرواز ثان يضم أيقونات الإنجيليين الأربعة، وهذه علقت فوق الباب اليسار من الداخل. هذه جميعها قدمتها الأسرة وبالذات والدي الفنان جورج لراحة نفوس والديه وصحة آل زيتون ثم لراحة نفس شقيقي الشهيد مروان بعد استشهاده تخليداً لذكراه. إضافة الى قيام الأسرة في الأربعينات من القرن 20 بحفر كرسي البطريرك وكرسي المطران (على اليمين واليسار).وقدمت عائلة المصابني في التسعينات من القرن الماضي لراحة نفس ولدهم أجهزة التكييف والتبريد، ثم جددت عائلة حنا التبريد والتكييف بأجهزة حديثة، وامتلأت الكنيسة منذ إشادتها بعشرات الثريات الفخمة قدمها المحسنون مع تجهيزات نحاسية تقليدية كحاملات الشموع الفخمة وكانت وكالة الكنيسة قد بنت البناء الملاصق للكنيسة من جهة اليمين وخصصته سكناً للكاهن ثم جهزت أخوية السيدات في تجهيز المكتب واتخذت مدارس الأحد الأرثوذكسية مقرها غرباً تحت الهيكل، بينما أحدثت فرقة مراسم الصليب الكشفية مقرها في جزء من العرصة الجنوبية بمساهمة من الكشافين القدامى ومحسنين، وبجوارها مقر لأسرة المعوقين( إيمان ونور) وكانت البطريركية قد أحثت في أواخر العقد الثامن من القرن الماضي مسرح فخم وقاعة كبرى للمناسبات تحت الكنيسة وتعد صرحاً حضارياً و مركزاً ثقافياً.

