العلامات
كنيسة الصليب المقدس
03/01/2010 بقلم: د.جوزيف زيتون
كنيسة الصليب المقدس
ألقيت هذه المحاضرة في قاعات كنيسة الصليب المقدس بذكرى الإحتفالات بعيد رفع الصليب المقدس في 12 أيلول 2009 بمشاركة واسعة من باحثين و مفكرين .
و شاركني الفنان الياس زيات رسام الأيقونات الشهير ببحث عن أيقونات الكنيسة و هندستها، بحضور عدد كبير جداً من المهتمين.

مقدمة:
تعد كنيسة الصليب المقدس الكنيسة الثانية في دمشق بعد الكاتدرائية المريمية، وتقع في الحي المسيحي المحدث منذ أواخر القرن 19 خارج أسوار دمشق القديمة.
تكمن أهمية هذه الكنيسة لكونها مقراً لخمس رعايا أرثوذكسية، يُقدم الخدمات الروحية بكثافة لهذا التجمع المسيحي الأرثوذكسي الكبير. كما تفد إليها الرعايا التي ليس لديها كنائس من مناطق أخرى في أبرشية دمشق وخاصة في موسم الصوم الكبير المقدس والأعياد الكبيرة، إضافة إلى أنها مركز رئيس من مراكز تجمع الشباب الأرثوذكسي. على هذا الأساس نكتفي هنا باستعراض موقعها وتاريخها والمؤسسات التابعة لها.
في موقع الكنيسة: حي القصاع
في اللغة والتاريخ:
القصاع كلمة عربية مفردة، بصيغة المبالغة على وزن فَعّال مثل حداد ونجار وطيان ونحاس… الخ. والقصاع هو الذي يصنع القصاع ( جمع قصعة) وهي الصحن العميق الواسع.ويقول الأب المؤرخ أيوب سميا أنه سمع من مسنين مسلمين ومسيحيين، أن حي القصاع كان في القرنين 18 و19م يسمى بالقصاعين مثل الفرايين والقزازين، كما أن المؤرخ د. صلاح الدين المنجد- في مجلة المجمع العلمي العربي ( الجزء 3 من سنة 1957)- أدلى بشهادة على ورود القصاع في أوائل القرن 16م . كان حي القصاع أيام العثمانيين لايمتد إلى أكثر من برج الروس شمالاً والصوفانية شرقاً ومسجد الأقصاب غرباً، وكان قد تألف في الأصل من مصانع قِصاع ظهرت أساسات بعضها في محلة برج الروس(1) عندما حفرت أساسات الأبنية الحديثة في المنطقة بدءاً من الخمسينات لوجود البحرة والجرن وكلاهما من لوازم صنع القصاع.
كيف نشأ حي القصاع:
منذ مابعد فتنة دمشق الطائفية عام 1860م واستشهاد العدد الكبير من المسيحيين في محلتهم وتهديم دورهم الجميلة، عاد بعض من هاجر منهم بفضل الوالي المصلح فؤاد باشا الذي أرسلته الدولة العثمانية لإصلاح الأحوال وبُدئ بترميم الدور المحترقة. وما لبثت أن استقرت الأحوال تدريجياً بهجرة داخلية من مسيحيين وفدوا من مناطق ثانية، واستقروا في محلة المسيحيين التي كانت تشتمل على مناطق باب الشرقي شرقاً والشاغور جنوباً ومئذنة الشحم والبزورية غرباً وباب السلامة والقيمرية والفرايين شمالاً. وقد ضاقت هذه المحلة بسكانها فكان لابد من الخروج منها الى ماوراء أسوار دمشق الى حيث توجد الغوطة الخضراء الجميلة. لكن هذه كانت غير آمنة: فقطاع الطرق (المشلحون) كانوا ينتشرون بكثافة وخاصة في منطقة باب توما. لذا كان الباب يغلق مع مغيب الشمس الى شروق شمس اليوم التالي، وكانت خلفه سويقة ( سوق صغيرة) لبيع الخضراوات يحمل إليها الفلاحون منتجات أراضيهم لبيعها للسكان فيها حيث يدخلون إليها فجرا مع فتح الباب.
أما في المنطقة الممتدة من مقام الشيخ ارسلان الى باب الشرقي حيث المقابر(كانت ولاتزال تدعى الطبالة بتسكين ألط، وهي كلمة عبرية تعني المقبرة، وكانت فعلاً تضم مقابر المسيحيين واليهود على السواء) إضافة إلى مقبرة للمسلمين الشيعة في الشيخ أرسلان(2) والأحياء الأخرى، فإن الناس كانوا لا يرغبون بمخالطة الأموات، فهم لذلك وبالرغم من مخاطر انعدام الأمن في منطقة باب توما، كانت سكنى هذه المنطقة لديهم أفضل من السكنى في المقابر، فبدأ النزوح السكاني الفقير يعبر الجسر(3) الخشبي من باب توما، وكان هذا الجسر فوق فرعي النهر الذي كانت مياهه صافية وقوية تدير أحجار الطواحين المائية المقامة على مساره وخاصة تلك التي كانت يساراً بموقع وسيط بين ضريح خوله بنت الأزور ومسجد الثقفي. إن ما ساعد هؤلاء المغامرين الفقراء الذين
أقاموا في المنطقة مدينة مريّفّة على الاستقرار أن بعثة طبية انكليزية تابعة لحملات التبشير البروتستانتية أقامت مستشفاها أواخر القرن 19 في منطقة الغساني ( الزهراوي للتوليد حالياً)(4)وتبعتها بعد سنوات قليلة البعثة الفرنسية لراهبات القديس لويس التي أقامت مستشفاها هي الأخرى على مقربة منه وذلك في عام 1904( بعد أن حصلت على ترخيص بفرمان سلطاني عثماني). وكانت الغاية من إقامة المستشفيين في هذه المنطقة الجديدة:

