كاتدرائية دمشق

08/03/2009   بقلم: د.جوزيف زيتون

(26)”… وكان هدم الكنيسة في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين للهجرة،وكان الشروع في البناء سنة سبع وثمانين للهجرة، فأقاموا في بنائه سبع سنين، فمات الوليد ولم يتم، فأتمه هشام من بعده”. وروى الغساني عن جده “إنه قال لما اهتم الوليد بكنيسة ماريوحنا ليهدمها ويزيدها في المسجد، دخل الكنيسة ثم صعد المنارة ذات الأضالع المعروفة بالساعات وكان بها راهب يأوي الى صومعة له بها فأحدره من الصومعة. فأكثر الراهب كلامه، فلم تزل يد الوليد في قفاه حتى أحدره من المنارة. ثم هم بهدم الكنيسة، فقال له جماعة من النصارى البنائين: ” نحن لانجسر على أن نبدأ بهدمها ياأمير المؤمنين، نخشى أن نجن أو يصيبنا شيء. فقال الوليد: تحذرون وتخافون ! ياغلام، هات المعول”. ثم أتى بسلّم فنصبه على محراب المذبح، وصعد فضرب المذبح حتى أثّر فيه أثراً كبيراً.ثم صعد المسلمون فهدموه. وأعطاهم الوليد مكان الكنيسة التي في المسجد الكنيسة التي تعرف بحمام القاسم بحذاء دار أم البنين في الفراديس، فهي تسمى ماريوحنا…”

وفي نفس الموضع، قال عبد الرحمن بن عامر اليحصبي: “وصاح النصارى وعلا النوح وولولوا فالتفت إلى زيد بن تميم وكان على الخراج وقال ابعث إلى اليهود حتى يأتوا على هدمها. ففعل فجاء اليهود وهدموها…”.

وفي موضع ثان، قال المغيرة بن عبد الملك في نفس الشأن حيث قال الوليد للنصارى:”هذا حق قد جعله الله لنا لنصلي فيه. فقالوا له ياأمير المؤمنين لقد أقطعتنا أربع كنائس وبذلت لنا من المال كذا وكذا، فإن رأيت أن تتفضل به علينا فافعل. فامتنع عليهم حتى سألوه وطلبوا إليه، فأعطاهم كنيسة حميد بن درة وكنيسة أخرى بجنب سوق الجبن وكنيسة مريم وكنيسة الصليبة…”.

وبالمناسبة، كانت هذه الكنائس الأربع واقعة في القسم الشرقي من المدينة، وهي التي حولت الى مساجد عدا كنيسة مريم التي كانت مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين شطري المدينة، وقد اعتبرت من أملاك الدولة.

وسار سليمان بن عبد الملك الذي تولى الخلافة من 715 إلى 717م على خطة شقيقه الوليد. أما الخليفة الورع عمر بن عبد العزيز (717ـ 720 )، ” فإنه أوجب البّرِ بالعهود وإعطاء كل ذي حق حقه. فأمر عامله في دمشق أن يرد إلى النصارى كنيستهم فكره مسلمو دمشق ذلك وقالوا: ” نهدم مسجدنا بعد أن أذّنا وصلينا به.” ثم أقبلوا على النصارى فسألوهم أن يعطوهم جميع كنائس الغوطة التي أُخذت عنوة على أن يصفحوا عن كنيسة يوحنا فرضوا بذلك”(28).

وبالعودة إلى فعل الوليد الذي أدخل الكنيسة في المسجد، نجد أنه بدأ في عام 706م بتحويلها. وأثناء الحفر في أرضيتها، عثر الفعلة على الحفرة والصندوق الحاوي رأس القديس يوحنا المعمدان. فدعوا الخليفة الوليد لإطلاعه على ذلك، فأمر بفتح الصندوق، وعندما عرف صاحبه (وهوعندهم النبي يحي بن زكريا ) أمر بإكرامه وإعادته إلى مكانه وبناء قبة فخمة فوقه وهي لاتزال قائمة حالياً (29).

قال زيد بن واقد: ” وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق فوجدنا فيه مغارة، فعرفنا الوليد ذلك. فلما كان الليل وافاه وبين يديه الشمع، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ثلاثة أذرع بثلاثة أذرع. وإذا فيها صندوق، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط، وفي السفط رأس يحي بن زكريا عليه السلام مكتوب عليه: هذا رأس يحي فأمر به الوليد، فرد إلى مكانه وقالوا: اجعلوا العمود الذي فوقه مغيرا ًمن الأعمدة”(30)

كان جرن المعمودية وبجانبه بئر ماء (31) يقع بالقرب من قبر القديس يوحنا (ولا يزال)، ولما امر الوليد عام 705 بإعادة كنيسة مريم الى الأرثوذكس الذين كانوا قد لفتوه إلى أن كنيسة يحي كانت < كاتدرائية الأسقف> التي كانوا يملكونها منذ بنائها إلى ماقبيل فتح دمشق. وكانت كنيسة مريم وقتئذ مغلقة لوقوعها على الخط الفاصل بين دخول جناحي جيوش المسلمين كما مر.

وكانت في حرم كنيسة مريم كنيسة ثانية باسم الشهيدين كبريانوس ويوستينة بنيت في مستهل القرن السادس، وكنيسة ثالثة باسم القديس نيقولاوس بنيت لاحقاً. وكان على أمتار قليلة شمالي كنيسة مريم دير للراهبات بجانب درب مريم الذي كان يصل بين باب الصغير جنوباً وباب الفراديس شمالاً، يهتم بالفتيات اليتيمات الصغيرات ويتعهدهن ليصبحن راهبات مستقبلاً وبجانبه مستشفى على اسم الشهيد القديس بندلايمون الطبيب(32).

الصفحات 1 2 3 4 5