كاتدرائية دمشق

08/03/2009   بقلم: د.جوزيف زيتون

ومن الجدير ذكره أن حنانيا الرسول قُتل بأمر والي دمشق الروماني “لوكيانوس” ورُميت جثته فأخذها المسيحيون خفية ودفنوها في بيته لأنهم درجوا على دفن الشهداء في الدياميس التي أضحت كنائس سرية للعبادة.

ومن الجدير ذكره ايضاً أن مؤرخي دمشق لم يذكروا كنيسة حنانيا باسمها هذا، ومنهم “ابن عساكر” في كتابه “خطط دمشق” حيث ورد ذكرها باسم ” كنيسة المصلبة” التي حدّد مكانها بين باب توما والباب الشرقي الذي كانت تتفرع قربه جادة من الشارع المستقيم تسير مستقيمة شمالاً باتجاه السور مارة بجانب كنيسة حنانيا، وتتصالب عند هذه الكنيسة مؤلفة جادة مستقيمة أخرى تسير من السور شرقاً لتصل قلب المدينة فتسمى “كنيسة المصلبة”. بينما يقول البعض إن هذه التسمية مشتقة من إسم ” الصليب المقدس”، وقد بنيت هذه الكنيسة في مستهل القرن 4 المسيحي، وتسمى هذه المنطقة اليوم” بالمسبك” نسبة الى مسبكٍ للزجاج وُجِدَ فيها في القرون الأخيرة. علما أنه كان قد أُقيم دير على اسم الصليب المقدس شمال باب توما خارج سور دمشق في القرن ذاته

وقد اندثر لاحقاً واتخذ الموقع الذي كان فيه هذا الدير اسم” بستان الصليب المقدس” في منطقة القصاع(حالياً) بنيت فيه كنيسة على اسم الصليب المقدس في عام 1932 .

وباعتلاء الأمبراطور ثيوذوسيس الكبير 379 م عرش بيزنطية، فرض المسيحية ديناً رسمياً للدولة، وحارب عبادة الأوثان، وأمر بتحويل المعابد الوثنية الى كنائس في أرجاء الأمبراطورية الرومية، وبتحويل ممتلكاتها الى أوقاف مسيحية، وبهذا تحول معبد الزهرة بدمشق الى كنيسةعلى اسم النبي الكريم والسابق يوحنا المعمدان، وجُعلت كاتدرائية دمشق لضخامتها حيث كانت مع حرمها تشكل ربع مساحة مدينة دمشق القديمة. وجعلت بجانبها دار أسقفية دمشق، وإلى الجنوب منها قصر والي دمشق “نائب الأمبراطور”(10) وهو قصر العظم (حالياً).

كان والي دمشق يدخل الكنيسة كل يوم صباحاً للصلاة( قبل مباشرته مهامه) من بابها الجنوبي (سوق الصاغة القديم حالياً) ويخرج منه. وقد نُقِشَت على ساكف هذا الباب باليونانية عبارة من المزامير : “ملكل ملك جميع الدهور وسيادتك في كل جيل وجيل”(11)، ومازالت هذه العبارة موجودة حتى الآن باقية لم تُزَل كما أُزيلت كل النقوش والرسوم والرموز المسيحية التي ظهرت بعد إزالة دكاكين الصاغة والقباقبية من الجهتين الجنوبية والغربية الملصقة بجدار الجامع الأُموي اثناء إعادة ترميمه، ومنها تلك الأيقونة الرائعة للرب يسوع( الضابط الكل) المنقوشة على أعلى الجدار الجنوبي للجامع وقد اتى على معظمها صاروخ حت بيد جاهل.

أما الأمبراطورالبيزنطي مركيانوس فقد أمر في عام 405 مسيحية بنقل رأس القديس يوحنا المعمدان الذي كان محفوظاً في القسطنطينية(12) إلى دمشق، ليوضع في كاتدرائيتها التي على اسمه(13)، وقد تم وضع هذا الرأس وقتئذ في صندوق من الفضة الخالصة على المائدة المقدسة في العام ذاته، وبقي الى 614 م، حينما اجتاح الفرس بلاد الشام ونهبوا “إيلياء” القدس وأخذوا خشبة الصليب المقدس الى بلادهم، وقد خاف الدمشقيون على ذخيرتهم المقدسة من المصير ذاته فيما لوفتح الفرس دمشق، فحفروا حفرة عميقة في ارض الكنيسة، وأخفوا بداخلها الرأس المقدس ضمن الصندوق مع كتابة باليونانية بداخله للدلالة على صاحبه، وميّزوا المكان بعلامة خاصة لايعرفها الا عدد قليل لم يكن يتجاوز أصابع اليد الواحدة حفظاً للسرية.(14)

ويُقال إن مكان إخفاء الصندوق كان القسم الشرقي من الكاتدرائية/ محلة النوفرة (حالياً)/في موقع مقهى النوفرة تحت الكاتدرائية في ذلك الفراغ الذي كان الهلنستيون قد اتخذوه، والذي أصبح في وقت إحداث الكاتدرائية منسكاً رهبانياً بداخله حمام خاص بالرهبان الذين كانوا يؤلفون سدنة الكاتدرائية وخدامها.

أما مسيحيو دمشق وقتئذ فكان معظمهم من الأرثوذكسيين” الخلقيدونيين”(15)وهم على مذهب الدولة الرومية، وكان لهم في كل دمشق تسع وعشرون كنيسة تتقدمها كاتدرائية القديس يوحنا المعمدان، وبجانبها دار الأسقفية. وكان أُسقف دمشق يلي البطريرك الأنطاكي من حيث الأهمية الدينية والسياسية.

وكان في دمشق قلة من اللاخلقيدونيين لهم بعض الكنائس ودار أسقفية بالقرب من باب توما، ولكن هؤلاء لم يكونوا مرتاحين في ممارسة عقيدتهم كونها مخالفة لمذهب الدولة الرومية، وكانوا بالتالي ناقمين على هذه الدولة ومن تمذهب بمذهبها.

فتح دمشق :

فتح العرب المسلمون دمشق يوم الثلاثاء 22 جمادى الثاني سنة 13 هجرية، الموافق ل 24 آب سنة 634 مسيحية، فدخلها خالد بن الوليد من الباب الشرقي، ودخلها أبوعبيدة بن الجراح من الباب الغربي ” باب الجابيية”(16) بعدما حاصرتها جيوش المسلمينمن كل جانب، وعسكر عدد من القادة والصحابة على أبوابها السبعة. كان ذلك زمن الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان قد عهد الى خالد بقيادة الجيوش، ولكنه مالبث أن عزله وولّى مكانه أبا عبيدة بكتاب مخصوص أرسله اليه. إلا أن الأخير لم يبّلغ خالداً بذلك خجلاً منه من ناحية، ولأن الظرف العسكري الناشي عن حصار دمشق الذي دام حوالي أربعة أشهر لم يكن مؤاتياً لهذا التغيير. وقد أبلغه بذلك بعد فتح دمشق(17). وكان يزيد بن أبي سفيان قد نزل أيضاًعلى الباب الصغير، بينما نزل كيسان مولى معاوية على باب بولس ، وكان المدد العسكري يرد من أبي الدرداء الذي عسكر بقرية برزة شمال دمشق.

في “فتوح الشام” للواقدي، ورد أنه كان لليعاقبة (السريان) جملة كنائس منها كنيسة صغيرة على اسم القديسيّن سرجيوس وباخوس ذُكر في مواضع أخرى أنها على اسم العذراء. وكان يخدمها كاهن يُدعى ” يُوانس (يونان) بن مرقس”، وكان بيته ملاصقاً للسور وفيه نافذة تنفذ الى الخارج، فلما طال الحصار على دمشق وتضايق أهلها وضعفوا، وجد هذا الكاهن أن سقوط المدينة صار محتوماً وقريباً، فصار ينقر في السور ليلاً، وأتى الى معسكر خالد واجتمع به، واتفق معه على أن يفتح لهم باب الشرقي مقابل وعد من خالد يمنحه فيه الأمان له ولرعيته. فوعده وأرسل معه مائة رجل، دخلوا وإياه من تلك النافذة، ثم قام بقرع ناقوس الكنيسة ثلاث قرعات خفيفة وهي الإشارة المتفق عليها للبدء بالهجوم، فبادر الهاجمون الى قتل حراس باب الشرقي، وكسروا أقفال الباب وفتحوه واندفع خالد وجيشه صائحين ومكّبرين وأعملوا السيف في رقاب الأهالي، حيث أن الجيش الرومي كان قد أخلاها منذ بدء الحصار. ولما تم هذا الفتح كافأ المسلمون اليعاقبة وقربوهم، بينما ضايقوا الأرثوذكسيين لأنهم على مذهب الدولة الرومية فأخذوا يتسربون إلى الأناضول، وكانت يونانية صرفة، واستولى اليعاقبة على كاتدرائية المعمدان(19) كذلك نرى أسقفهم قد حبس فيها وفقاً لسلطته الدينية الشاعر الأخطل (من رعيته) سنة 701م (20).

ومن الطبيعي أن يستقر الفاتحون وسط المدينة، حيث كانت دور السلطة في موقع الكاتدرائية، وجعلوا دور الولاية بجانبها(21)، وحولوا قسماً من شرق الكاتدرائية إلى مسجد للصلاة. ونتيجة لازدياد عدد المسلمين في دمشق، لم يعد ممكناً أن يتسع لهم هذا المسجد من جهة، إضافة إلى شكواهم السمرة من قرع النواقيس(22)من جهة ثانية. فقام الخليفة عبد الملك بن مروان يطالب نصارى دمشق بكل الكاتدرائية على أن يدفع لهم ثمنها ليحوّلها إلى مسجد فرفضوا طلبه وامتنع عن إتمام مشروعه(23).إلا أن الوليد أراد يمتلك الكنيسة بأي ثمن فجمع النصارى وعرض عليهم دفع مبالغ طائلة لقاء تنازلهم عنها، فأبوا، وعندها أدخلها في المسجد(24) وقال :”إننا نعوض بكنيسة مريم عن كنيسة يحي”.

وفي تاريخ ابن عساكر ورد : “…فلما كان فتح دمشق، كان المسلمون يُصّّلون في ناحية منها، والنصارى في ناحية. ولم يزالوا كذلك حتى وُلّيَّ الوليد بن عبد الملك، وقال للنصارى: أعطونا نصف الكنيسة التي بأيديكم ونحن نبني لكم كنيسة حيث شئتم من دمشق، فأبوا عليه، فقال لهم: ائتونا بالعهد، فأتوه به وقال لهم: قد رضيتم به فأنا أسجل البعض عليكم فنظروا فإذا كنيسة كذا وكنيسة كذا وكنيسة كذا فرضوا بأن أعطوا الكنيسة وكف عن كنائسهم”. وقال هشام بن عمار:”إن الوليد قال لهم لما أتوه بالعهد، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة والكنيسة الداخلة صلحاً فأنا أهدم كنيسة توما، وكانت أكبر من هذه الداخلة. فرضوا بهدم الكنيسة الداخلية، يعني نصف الكنيسة الذي كان بأيديهم فهدمها وأدخلها في المسجد…”

وجدير ذكره أن كنيسة توما هذه كانت تقع شرقي دمشق باتجاه الشمال، وهي الآن مسجد الشيخ أرسلان حيث قام المسلمون الفاتحون بفن بعض شهدائهم من الصحابة حين الفتح. لذا حولت الكنيسة بوقت مبكر إلى مسجد، ثم أصبحت مقبرة للمسلمين شرقي المدينة (25).

الصفحات 1 2 3 4 5