دير سيدة صيدنايا البطريركي

27/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

دير سيدة صيدنايا

دير سيدة صيدنايا البطريركي

في التسمية:

اسم له عدة معاني إلا أن الأرجح أنها كلمة سريانية تعني سيدتنا وتعني أيضاً صيدنايا أي صيد الظباء وقد تعني الصيداوي نسبة إلى صيدا وفق ما أشار إليه المطران يوسف داوود على السريان بدمشق بكتابه (القصارى).

إلا أن الأرجح أنها تعني الصيد لما كان يتوفر في هذه المنطقة من صيد للطير والوحش.

في الموقع:

هي بلدة في جبل القلمون الأسفل تبعد عن دمشق مسافة 30 كم. بنيت في لحف الهضبة التي يقوم عليها دير السيدة والتي تكاثرت المساكن فيها حالياً حتى اتصلت بالدير من ناحيته الغربية والجنوبية وامتدت حتى بداية سهل المعرة.

في القرن الثالث المسيحي وما تلاه، اعتُبرت هذه المنطقة مع كل مناطق جبال القلمون موئلاً للرهبان والمتوحّدين الذين قصدوا التنسك بعدما انتقلت إليهم هذه الشهادة الحية (الرهبنة) من برية مصر حيث عاش القديس انطونيوس الكبير وتلامذته ومن منطقة العمق في وادي العاصي حتى شمالي سورية حيث عاش القديس سمعان العمودي ومدرسته الرهبانية المتمثلة بتلامذته الذين عمّروا قلعة سمعان التي أصبحت مدرسة رهبانية زاهرة في القرون اللاحقة.

وسرعان ما غدت منطقة صيدنايا من أغنى مناطق بلاد الشام بالدفق الروحي المسيحي الذي جعلها موئلاً للرهبان والراهبات.

وليس أدلّ على مكانتها الروحية هذه في فجر المسيحية ممّا تحتويه الآن من الآثار الرومانية والبيزنطية من كنائس وأديار ومدافن ومزارات. وكانت قديماً مدينة حصينة الموقع، ولا تزال أطلال بروجها وحصونها تدل على عظمتها ومنها البرج المربع الواقع شرقي البلدة والمسمّى كنيسة القديس بطرس أو كنيسة اللولبة لوفرة تعرّجات سلالمه.

الظاهر من بنيان هذا البرج أنه كان مَعقِلاً صغيراً لحماية إحدى الجاليات المهاجرة التي كانت قد استقرت في الضاحية الشرقية للبلدة كما تدل الآثار والخطوط الرومانية الظاهرة في الحفريات وتلك المغاور والكهوف التي كان يلجأ إليها المسيحيون في الأجيال الأولى بحسب روايات مؤرخ دمشق الخوري أيوب سميا.

دير سيدة صيدنايا البطريركي:

هو أهم الآثار المسيحية لا في صيدنايا فحسب، بل في منطقة بلاد الشام. بناه الملك يوستنيانوس الأول سنة 547 وكان متوجهاً لقتال الفرس فعسكرَ على مسافة من دمشق في البادية القريبة وبينما كان يبحث عن الماء لجواده رأى غزالة شهية للصيد وكان من هواة تلك الرياضة فراح يطاردها حتى أخذ منها التعب مأخذه ووقفت على صخرة عالية. وعندما تهيأ ليرميها بالسهم استحالت إلى سيدة وقور متّشحة بالبياض يشع منها نور عظيم وأشارت للملك الصياد: “لا ترمِ بسهمك يا يوستنيانوس ولكنك ستقيم لي ديراً على هذه الصخرة” وفي الغد شاهد الملك الأساسات مخططة بالبياض على الأرض تعيّن شكل البناء القائم اليوم .

وهناك رواية ثانية(1) تقول بأن يوستنيانوس قصد الحج إلى القدس مروراً بانطاكية العظمى ومعه جيشه فخيّم في تلك البقعة. وتتفق الروايتان في كيفية تحوّل الظبية إلى والدة الإله وفي وضع أساسات الدير. وقد أوضحت الرواية الثانية فشل المهندسين والبنّائين في تخطيط الدير وكيف ظهرت لهم السيدة ليلاً وأوحت لهم باعتماد الرسم الأبيض.

تم إنجاز هذا الدير عام 547 أي في نفس العام. وحجَّ يوستنيانوس وعرَّجَ في طريق العودة لزيارة الدير ففتح أبوابه لمن يرغب من المؤمنين ورتّب فيه المتوحدات والراهبات وارتحل إلى القسطنطينية. ثم وبعد سنوات عدة خشي من أن يخلفه على العرش من يضّن على السيدة وديرها بما رتّبه لها من المال كل عام، فأقطع الدير الحقول والمواشي والأوقاف.

ويقال إن شقيقة يوستنيانوس كانت أول رئيسة لهذا الدير المشيّد للناسكات والنساك كل من الفئتين بمعزل عن الأخرى.

ويوستنيانوس هذا كان سيف الأرثوذكسية من قبل أن يتبوّأ عرش القسطنطينية. وبعد صيرورته إمبراطوراً أوقف تقدم مذهب أوريجانس الإسكندري في سورية وحارب بشدة أصحاب الطبيعة الواحدة وبثّ المسيحية في آسيا وأوربة فتنصّر في عهده في آسيا الصغرى سبعون ألفاً من الوثنيين في آسيا الصغرى. أما أعماله العمرانية فكانت بالإضافة إلى بنائه دير السيدة في صيدنايا، بناء كنيسة السيدة في القدس ومشفى للغرباء فيها، ودير القديسة كاترينا في طورسينا وكنيسة التيه في طورسيناء أيضاً وكاتدرائية إنطاكية العظمى بعد أن دمرت الزلازل كل المدينة. كما أمر ببناء دير القديس سمعان العجائبي الإنطاكي العمودي وكنيسة آجيا صوفيا. توفي بعد حياة حافلة بالمبرّات حوالي 82 عاماً في عام 565م.

الصفحات 1 2 3 4 5 6