العلامات
دير سيدة البلمند البطريركي
29/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
المدرسة الحديثة:
وبفضل هذه الاقتراحات المُلحة، واندفاع الأسقف إغناطيوس لتحقيقها، فقد طلب البطريرك ثيوذوسيوس من مجلس الكنائس العالمي المساعدة في إنشاء المدرسة الثانوية، وإدراج مشروعها في جملة مشاريعه، وأَرفق بطلبه هذا تصميم المدرسة.
ونُفّذَ المشروع بوساطة مجلس الكنائس العالمي كما سلف القول إضافة إلى تبرعات من الكنائس الأرثوذكسية، بينما غطت ما تبقى من التكاليف حَملةُ تبرعات محلية. ونشأت المدرسة الحديثة بجوار الدير التاريخي.
إن المدرسة الحديثة لم تعد إكليريكية بحتاً بل فُتحت أمام الجميع، أما بناؤها فمؤلف من أربع طبقات، تحتوي الطبقتان الأوليان سبع غرف للدراسة ومُختبراً، وغرفة معلمين، وغرفة مطالعة، وجناح إدارة، وقاعة استقبال، وبهواً، وغرفة طعام، ومطبخاً أما الطبقتان العلويتان فتتسعان لمئة طالب داخلي.
وقد توزع العمل الدراسي في هذه المدرسة الجديدة على أربعة أقسام المتوسط والثانوي والابتدائي والتحضيري، وتمَّ ربط هذه المدرسة بسائر أنحاء لبنان بوسائط نقل خاصة لنقل التلاميذ من المدرسة وإليها.
معهد القديس يوحنا الدمشقي اللاهوتي الأرثوذكسي:
على اسم هذا القديس العظيم المعلم والرائد في الدفاع عن اللاهوت الأرثوذكسي والأيقونة، ويقول التقليد إن يده قطعت دفاعاً عن العقيدة الأرثوذكسية وباع كل شيء والتحقَ بدير القديس سابا الرهباني، وهناك كتب كل مصنفاته اللاهوتية.
على اسمه بني هذا المشروع الرائد، عندما تبرّع مثلث الرحمات المطران انطونيوس بشير متروبوليت أميركا الشمالية بمبلغ 250000 دولاراً من جيبه الخاص، ومبلغ 44000 دولاراً من مطرانية أميركا. ففي عام 1965 كان المؤتمر العام لأبرشية أميركا الشمالية فاتخذ قراراً نهائياً بإنشاء المعهد اللاهوتي في البلمند، وقام البطريرك ثيوذوسيوس بوضع حجر الأساس للمعهد في 15 آب 1966 في احتفال شعبي كبير، وتعهّدَ المطران فيليبس مطران أميركا الشمالية حالياً بتنفيذ وصية سلفه مثلث الرحمات المطران بشير لإكمال بناء المعهد، وانطلقت ورشة البناء بإشراف المطران إغناطيوس (مطران اللاذقية وقتئذ)، ورئيس الدير، ومدير إكليريكيته، ودشَّنه مثلث الرحمات البطريرك الياس الرابع رسمياً الأحد 7 تشرين الثاني 1971 بحضور جمع غفير تقدمهم المتروبوليت فيليبس صليبا، وبقية مطارنة الكرسي الأنطاكي، والمطران هزيم، ومسؤولون في الجمهورية اللبنانية.
وفتح المعهد أبوابه أمام الطلبة للعام الدراسي 1970ــ 1971، وتولّى المطران هزيم منصب العميد، ووفاء منه لذكرى الخالد المتروبوليت بشير الذي قدّم كل ما يملك في سبيل البلمند (ثانوية ومعهد اللاهوت) وأقام تِمثالاً نصفياً له في صدر ردهة المعهد اعترافاً بفضله.
وفي الفترة (1976ــ 1978) فترة الحرب الأهلية اللبنانية الشاملة، توقفت الدراسة في المعهد، وسُرِقت محتويات الدير والمعهد من المخطوطات التاريخية، وغيرها من نفائس الكتب، وانتقل الطلاّب الإكليريكيون إلى جامعات اليونان (أثينا، سالونيك) لمتابعة الدراسة اللاهوتية، والتحصيل العالي فيها، ومنهم حالياً أصحاب السيادة المطارنة: جوزيف زحلاوي المعاون البطريركي، دامسكينوس منصور المعاون الأسقفي لمتروبوليت البرازيل، جورج أبو زخم العميد حالياً، والآباء الارشمندريت جورج جيلو والارشمندريت موسى الخوري… وغيرهم.
ثم تابع المعهد دوره مجدداً على الرغم من الصعوبات الحياتية، ومضايقات الحرب، فكانت رسالته التي عبَّرَ عنها تقرير قدَّمه قدس الأب جورج عطية أحد أساتذة المعهد حيث قال فيه:
“يعمل المعهد على تربية أجيال من رعاة ومعلمين حاملين رسالة مصالحة وسلام ومشتركين في بناء الوطن وإنسانه، لذلك اعتمد نهجاً تعليمياً، يعطيه هويته، ويظهر معنى وجوده، لأنه يرمي إلى بناء شخصية الطالب وتثقيفه، وهذا النهج يوسِّع المعرفة، ويساعد على اكتساب أسس البحث والكتابة…”
وفي لقاء غبطته وفد كنيسة كورهاس فالدك الألمانية في البطريركية بدمشق الثلاثاء 24/5/94، نوّه بدور هذا المعهد اللاهوتي حالياً حيث قال:
“المعهد ليس مكاناً للدراسة اللاهوتية فقط، هناك محاولة لتحويله إلى بيت للرعاية…” وحول طلاب المعهد قال غبطته: “…هم طلابٌ جامعيون يشعرون بالمسؤولية، ونحاول تطوير الروحانية النوعية لديهم، فالإنسان هو الأساس. المعهد مؤسسة جامعية، وتأكيدنا ينصب أولاً على نوعية الشخص في مرحلة قبوله.” وأضاف: “…أعتقد أننا خطونا خطوة جيدة إلى الأمام، وآمل أن نصل إلى تنمية أبنائنا ليس فقط بالتعليم بل بالرعاية، وبتنمية الحس الرعوي لديهم. والبلمند معهد من أهم المؤسسات في كنيستنا الأنطاكية، وهو اليوم مكان للقيادة الروحية. نحن نعاني من نقص في رجال الإكليروس. والبلمند هو الذي يقوم بتهيئة الإكليروس الأنطاكي من أجل الرعاية والقيادة الروحية…”.
لقد تحدّثَ غبطته عن مؤسسة رعاها منذ نشأتها بعرقه وقلبه ووجدانه وجيبه، بالرغم من صعوبة الأحوال المالية والإدارية والفنية. فكانت اليوم هذه الصروح المتنوعة والمتميزة في مجال التعليم كما أرادها. أما برنامج دروس المعهد، فيتناول مواد اللاهوت، والفلسفة، والتاريخ، والكتاب المقدس، والآباء والرعائيات، والليتورجيا، وعلم الاجتماع، واللغات القديمة، والحديثة وتوزّع هذه المواد على أربع سنوات يحصل الطالب في نهايتها على إجازة في اللاهوت. أما الذي كان يُحيي الدروس وينعشها فهو حياة الصلاة المشتركة على أرض المعهد وفي كنيسته صلاة بين المرشدين الروحيين والأساتذة من جهة والطلاّب من جهة ثانية. وقد طبّقت لفترة من الوقت تجربة إعداد الكهنة ومدة الإعداد سنتان. لكن النظام السائد حالياً هو الإجازة الجامعية في اللاهوت.
جامعة البلمند:
هو القسم الأهم في البلمند وأهم حدث في تاريخ الكرسي الانطاكي المقدس منذ تأسيسه على أيدي الرسولين بطرس وبولس. انطلقت هذه الجامعة الحديثة في مسيرتها عام 1988 بعد أن كانت حلماً جميلاً داعبَ خيال غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع فسعى لتحقيقه وكم مرّ به معوقات وآلام وشجون لأن الكرسي الانطاكي عبر تاريخه كان مدرسة للفكر واللاهوت ومنه نُقِلَ هذا الإبداع إلى كل العالم.

