العلامات
دير سيدة البلمند البطريركي
29/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
ولإنجاح هذه الخطوة الرائدة سعى الأرشمندريت قصير إلى زيادة أوقاف دير البلمند ووارداته، وجهّزه بالمخطوطات والملابس الكهنوتية والأواني الكنسية ورمّمَ بعض مبانيه بالإضافة إلى بنائه للقاعات الغربية التي تُعرف حالياً باسم الجناح البطريركي، وفيها نشأت هذه المدرسة وقد بادر أيضاً إلى استصدار قرارين من إبراهيم باشا ابن خديوي مصر(16)، يقضي أولهما بإعفاء الدير من بعض الضرائب الأميرية، ويحول ثانيهما دون أن يضع الأمير بشير الشهابي (حليف ابراهيم باشا خاصة في فتحه لبلاد الشام) يده على مطاحن الدير.
إغلاق المدرسة الأولى:
لم يطل الأمر على هذه المدرسة، وهي الومضة الأولى في الحياة الإكليريكية الانطاكية، حتى أُغلقت بأمر من البطريرك الانطاكي متوديوس، وقد تمَّ ذلك في عام 1840 عقب زيارة دير البلمند، وبمعيته مطران عكار زخريا، وقد جرى له في هذه الزيارة استقبال حافل من الرهبان والطلبة، فكان سروره عظيماً، لكن ما أزعجه، وجعله يبطّن القرار بإغلاق هذه المدرسة، جملة كان قد لفظها المطران زخريا تتحدث عن الآمال المعقودة على خريجي هذه المدرسة في قيادة الرعية وفي مستقبل الكرسي (وهذا كان يزعج البطاركة اليونان الذين تعاقبوا على السدة الانطاكية من 1724 مع البطريرك سلفستروس القبرصي، وحتى اسبريدون من رهبنة القبر المقدس عام 1898) ومن نافلة القول أن خريجي هذه المدرسة كانوا قد لعبوا دوراً نضالياً بارزاً في تعريب السدة الانطاكية وإقصاء اسبريدون عنها، وانتخاب ملاتيوس الدوماني كأول عربي عليها، ومن هؤلاء غفرئيل شاتيلا وأغابيوس صليبا والدوماني….
ولم يطل الأمر على تدبير الأمر بإغلاق المدرسة، فحال عودة البطريرك إلى دمشق، أنذر رئيس الدير الارشمندريت أثناسيوس بإغلاقها، فرفض الأخير، وتقدّمَ باستقالته من رئاسة الدير، فقبلها البطريرك فوراً، ونقله واعظاً إلى القدس لمصلحة بطريركيتها، وأغلق المدرسة، فتفرّقَ الطلاّب، منهم من ذهبَ إلى مدرسة دير الحميراء، ومنهم من ذهب إلى أديار جبل آثوس، بينما بقي اثنان وعشرون راهباً في البلمند، يعيشون الحياة الرهبانية منتظرين إعادة افتتاح مدرستهم. واستمر هذا الوضع المؤلم حتى العهد العربي.
في عهد البطريرك ملاتيوس الدوماني:
مع بداية هذا العهد عادت المدرسة الإكليريكية للحياة بقرار مجمعي اتُخِذَ في 13 تشرين الثاني 1899، وافتتحها البطريرك ملاتيوس في 3 كانون الثاني 1900، وأُوكل أمر الإشراف عليها لمطران طرابلس غريغوريوس حداد، وعيّن الأستاذ غطّاس قندلفت الدمشقي مديراً لها، وضمت أيضاً أساتذة كباراً أمثال جرجس همام، ونجيب مشرق، وجرجي شاهي (17)عطية، وضاهر خير الله الشويري، وكان عدد الطلاب في هذه المرحلة الثانية أيضاً ثلاثين طالباً، وكان رئيس الدير هو الارشمندريت ايوانيكوس حايك، ووضع الأستاذ قندلفت نظام المدرسة، وكان مستوحى من نظام مدرسة خالكي(18) ويقع في تسع وعشرين صفحة من كراسة غير مجلدة، وهو يحتوي على سبعة عشر فصلاً وخاتمة، ويتضمن فصولاً تتناول مسؤوليات لجنة المدرسة، والمدير، والأساتذة، والخدّام، والدروس، والمكتبة، ووسائل الإيضاح، ووجود ناظر، وطبيب يأتي أسبوعياً من طرابلس أو غيرها للسهر على صحة الطلاب، وعلى وجوب تعيين البطريرك ثلاثة كهنة، للقيام بالصلوات والقداديس ولتأمين اعتراف الطلبة، وقد وافق البطريرك على هذا النظام، وأرسل رسالة لرئيس الدير ايوانيكوس، حدد فيها المتوجبات اللازمة لهذه العملية التي أضافت نفقات كثيرة، كان يفترض أن يقدمها الدير وتعتبر ديوناً يتوجب تسديدها على البطريركية إضافةً إلى أن هذه الرسالة كرّست فصلاً من الدير والمدرسة، فقد حددت واجبات وحقوق كل منهما.
أما المواد التي دُرِّست وقتئذ فكانت العربية بفروعها وآدابها، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، والطبيعيات، واللغات التركية، واليونانية، والروسية، ومطالعة الكتاب المقدس، وتفسيره، والخطابة، والوعظ، والإرشاد والموسيقا الكنسية.
وفي سنة 1905 تخرّج أول فوج من المدرسة بعدما حضر البطريرك ملاتيوس امتحانات السنة الأخيرة، وقدّم مديرها الأستاذ غطاس قندلفت تقريره بإنجازات العام، وعَقَبَهُ خطباء عدة أثنوا على المدرسة.
ومن خريجيها كان الشماس أبو رجيلي (البطريرك ثيوذوسيوس 1958ــ 1969)، الشماس غفرئيل كردوس، الشماس أثناسيوس كليلة (مطران حوران)، الشماس روفائيل نمر (مطران حلب)، الشماس ايصائيا عبود (تسلّم مناصب عدة) الشماس باسيليوس شاهين، الشماس فوتيوس صعب، الشماس فوتيوس خبّاز، الشماس يوسف أبو طبر، والمبتدئان اسكندر يارد وجرجي ديبو.

