دير سيدة البلمند البطريركي

29/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

اليسوعيون ونشوء رهبنة الشوير الكاثوليكية:

من المعروف أن رهبنة ماريوحنا الشوير الكاثوليكية كانت قد انطلقت من رهبنة البلمند أي أن للبلمند دوراً رئيساً في نشأة الرهبانية الشويرية في طائفة الروم الكاثوليك. كيف تم ذلك؟

كان ذلك في عهد البطريرك أثناسيوس الرابع {(ابن الدباس) 1686ــ 1694 و(1720ــ 1724)} وكان الكرسي الأنطاكي في حينه مرتعاً لخلاف بين أثناسيوس بن الدباس وكيرللس بن الزعيم حفيد البطريرك العظيم مكاريوس على منصب البطريركية، وقد غذى هذا الخلاف بينهما الرهبان اللاتين.

في السنة 1697 خص الأب اليسوعي فيرسو Verseau دير البلمند بعنايته، لأنه كان آهلاً بالرهبان، «وكان للشِقاق شأن عظيم فيه بحيث يتناول كل ملة الروم»(7).

وحاول الأب فيرسو الدخول إلى البلمند لإيضاح الإيمان الكاثوليكي مراراً، ولكنه أخفق، ثم شعر اثنان من تلاميذ الآباء اليسوعيين بالدعوة الرهبانية، واختارا البلمند لخدمة الله فيه، «فأخذ الأب فيرسو يزورهما ويرشدهما منبهاً إلى ما في هذا الدير من خطر»(8)، ثم تحقق انهما راسخان في الكثلكة، فاتخذهما وسيلة للدعاية الرومانية بين الرهبان، فأكثر من زياراته للدير، وتعرف بسائر الرهبان، وصار يدخل، ويشترك في اجتماعاتهم الديرية بلا مانع، ولكي يرضيهم جميعاً، كان يمدح القديس باسيليوس الكبير، ويتلو عليهم أخباره، ثم وضع بين أيادي صديقيه مؤلفات الأب كليسون Clisson والأب نو Nau وفي السنة 1704 تقدمَ خمسة من رهبان البلمند بطلب وجهوه إلى مجمع انتشار الإيمان الكاثوليكي في رومة، وفيه يرجون أن يأمرهم المجمع بالحضور إلى رومة “…..نستمن فضلكم، بأن تمنوا علينا من إحسان الكنيسة المقدسة بمكان حقير نتآوى فيه وحدنا داخل رومية أو خارجها، وتتصدقوا علينا هناك بالقوت الضروري والشرب الزهيد كفاف الجسد اللطيف لا غير، حتى نخدم الله بمكنتنا على الإمكان وندعي لجلالتكم السامية البهية، سطر في دير البلمند من أعمال الشام في أول تشرين الثاني سنة 1704 عبدكم مكاريوس الكاهن في الرهبان، عبدكم جرمانوس الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير حنانيا الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير نصر الله الكاهن في الرهبان، عبدكم جرجس الشماس في الرهبان(9).

دير مار يوحنا الشوير:

وفي هذه الآونة نفسها وصل إلى البلمند شابان حلبيان راغبان في التبتل والزهد، فنصح لهما الأب نصر الله الحلبي ــ وهو من الموالين لرومة، وقد وقّع على الرسالة السابقة ــ «أن يذهبوا إلى جبل لبنان، ويفتّشوا على مطرح خالي وبعده نحن نجي إلى عندكم، ونعمل رهبنة قانونية، لأن في هذا الدير الإنسان ما يحسن يعيش في حرية الإيمان، لأن فيه اناس معاندين، وعشرتنا معهم لا تصلح. فسمعوا من شوره، وراحوا حوشوا دير الذي يُقال له مار يوحنا الشوير، وأرسلو أخبروهم عنه»(10).

وكان هذا الدير وقتئذٍ بسيطاً، لا يشتمل إلا على كنيسة صغيرة على اسم النبي يوحنا الصابغ، وغرفة بسيطة، أوى إليها زاهد من أبناء أسرة صوايا الشويرية.

وكانت بلدة الشوير تئن من مشادة عنيفة بين أسرتيها الكبيرتين آل صوايا (ومنهم هذا الزاهد، وقد اتخذوا من كنيسة النبي يوحنا مصلى لهم، فكانوا وقد ناصروا البطريرك أثناسيوس، ثم ناصروا الرهبان الوافدين من دير البلمند المتشبعين بالآراء الكاثوليكية) وآل مجاعص الذين ناصروا البطريرك كيرللس، وبقوا يصلون في كنيسة السيدة وبلدة الشوير.

مطبعة البلمند:

وبعد أن تمَّ الصلح بينه وبين البطريرك كيرللس الثالث، قام البطريرك أثناسيوس بن الدباس في آذار سنة 1700 بزيارة إلى القسطنطينية والبغدان والفلاخ (رومانية) يستعطف المسيحيين فيها للحصول على معونات مالية لصالح الكرسي الأنطاكي المقدس الرازح تحت وطأة الديون الباهظة.

فهبَ الأمير قسطنطين (حسن العبادة) أمير البغدان والفلاخ وأغدق على البطريرك أثناسيوس الهدايا والأموال، ولما عرف أن كتب الكنيسة الانطاكية الليتورجية لا تزال مخطوطة، أخذته الغيرة وأمر بصنع حروف عربية وأهداه مطبعة، اصطحبها معه إلى حلب مقر إقامته (كان الاتفاق يقضي ببقاء أثناسيوس في حلب وكيرللس في دمشق، وكلاهما يوقع باسم البطريرك، وعندما توفي كيرللس عام 1720 خلفه أثناسيوس بدمشق حيث استمر حتى موته عام 1724 ووقتها نشأت الكثلكة، وكان أول البطاركة الكاثوليك كيرللس طاناس، وطبعت وقتئذٍ بعض الكتب الطقسية، ومنها السواعي الكبير، وعندما انتقل ابن الدباس إلى دمشق عام 1720 ليخلف البطريرك كيرللس على السدة الانطاكية، نقل المطبعة إلى دير البلمند بغية إجراء طباعة بقية الكتب هناك.

إن التقليد البلمندي يجزم بأن هذه المطبعة وهي الأولى التي دخلت الشرق العربي بأحرف عربية قد نقلت فيما بعد من دير البلمند إلى دير مار يوحنا الشوير بصحبة الرهبان الموالين لرومة الذين انتقلوا إليه (كما سلف) أما تقليد الرهبنة الحناوية الشويرية فإنه يجزم بأن المطبعة الشويرية نشأت مستقلة بهمة الشماس الراهب عبدالله زاخر (الحناوي ــ الشويري) ولكن إن صحَّ هذا الجزم الأخير فأين أصبحت مطبعة البلمند؟ إذن نقّلت بالتحديد زمن انتقال هؤلاء الرهبان ومن بينهم الشماس زاخر من البلمند إلى دير الشوير.

أقسام دير البلمند:

كما تقدم القول الدير طبقة أرضية بناها الرهبان الفرنجة، وطبقة ثانية بنيت لاحقاً، واتُخِذَت مقراً للمدرسة الإكليريكية الأولى.

الصفحات 1 2 3 4 5 6 7 8 9