العلامات
دير القديس جاورجيوس الحميراء البطريركي
22/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
دخل ابراهيم باشا ومرافقوه الدير فاستقبلهم بالترحاب الشديد رئيس الدير والرهبان بالرغم من عدم معرفتهم أنه القائد ابراهيم باشا الذي كسر الجيوش العثمانية الجرارة وأُولمت لهم وليمة من موجودات الدير. فَسُرَّ القائد ابراهيم باشا من هذه الحفاوة ثم غادر وصحبه الدير بعد الطعام إلى المعسكر في الفوار.
وللحال أرسل رسولاً إلى رئيس الدير يطلبه إليه فعندما بلّغَ الرسول المضمون لرئيس الدير خاف الأخير وقد خشيَ من تقصير ما قد اقترفه بحق هؤلاء الضباط وان النتائج ستكون وخيمة على الدير: ألا يكفي الدير ما يقاسيه من ظلم الآغوات والجوار؟ وكان على هذه الهواجس طيلة الطريق. وعندما وصل إلى السرادق وشاهد ابراهيم باشا جالساً في صدره، خاف أكثر لأن التقصير موجّه إليه. لكن ابراهيم باشا وقف وتقدّم إليه مصافحاً واصطحبه إلى صدر المكان وأجلسه عن يمينه ثم شكره على الحفاوة التي قابله بها ومن معه (ولم يكن يعرفه ويعرفهم). فتنفس رئيس الدير الصعداء ثم استوضحه الباشا عن وضع الدير والمشاكل التي يتعرض لها من أهل المنطقة والآغوات فوعده الباشا بالحماية من التعديات ووجه قواده لتحقيق ذلك. ثم قدّم للرئيس صرّة كبيرة من “المصرية(3)” لينفقها في إنشاء خانات للمسافرين والقوافل. وودعه مشيّعاً بالإحترام وأمر بإيصاله إلى الدير وكان أول ما فعله رئيس الدير تقديم الشكر لصاحب الدير وشفيعه القديس جاورجيوس على ذلك وأشاد فوراً هذه الخانات وكانت بداية لبناء المرحلة الثالثة من الدير.
مدرسة الدير الإكليريكية:
منذ بدايات هذا الصرح الروحي الشامخ لعب دوراً رائداً كمدرسة إكليريكية وعلمانية في آن معاً وكان هو المدرسة لكل المنطقة حتى الأربعينات والخمسينات من هذا القرن. وتعاقب على إدارتها معلمون أكفّاء من كهنة وعلمانيين ومنهم من ترك بصمات واضحة أمثال الارشمندريت ايصائيا عبود والارشمندريت الكسندروس حجي. وكانت رهبنة الدير عامرة وتتعلم في هذه المدرسة وتقوم بالتعليم أيضاً لأبناء القرى المجاورة وكثيراً ما تخرّج من هذه المدرسة خيرة الكفاءات وكانت ومدرسة دير البلمند تقومان بهذه المهمة خير قيام. ومن خريجي مدرسة دير القديس جاورجيوس الأب الخوري البحّاثة أيوب سميا عضو الجمعية الجغرافية السورية مؤرخ دمشق في العصر الحديث. وكان قد توحد في هذا الدير في أواخر الحكم التركي حتى عام 1920 قبل أن ينتقل إلى دمشق بأمر مثلث الرحمات البطريرك غريغوريوس الرابع.
واقع الدير حالياً:
منذ تربعه على السدة الإنطاكية اهتم غبطة البطريرك إغناطيوس الرابع بالأديار البطريركية وخصوصاً دير القديس جاورجيوس الحميراء نظراً لمكانته الكبرى قديماً وحاضراً على مستوى الكرسي الإنطاكي ولوجوده في وسط أرثوذكسي كامل وحتى يأخذ دوره في القيادة الروحية في هذا الوسط المتعطش للرعاية والإرشاد لذلك اتجهت الخطوات العملية في سبيلين اثنين:
1- تجديد بناء الدير وكشف أحجاره وترميم غرفه وإحداث إحداثات عمرانية فيه لمواكبة العملية الإرشادية في حقول الطفولة والشباب الأرثوذكسي كما جُعِلَ ملتقى مسكونياً وزوّد بما يلزم لتنفيذ ذلك على أكمل وجه.
2- إعادة إحياء الحياة الروحية في هذا الدير العريق عن طريق إحياء الرهبنة فيه وتهيئة الشباب المتخرجين من جامعة البلمند/ معهد القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسي اللاهوتي للعيش في هذا الجو الروحي تمهيداً لصيرورتهم خدّاماً لمذبح الرب.
وقد حققت هذه الخطوات نجاحاً ملموساً والمأمول انتشار النهضة الروحية في كل وادي النصارى.
نبع الفوار:
يقع هذا النبع على بعد نصف ساعة عن الدير غرباً سيراً على الأقدام في طريق جميل تظلله الأشجار المثمرة والحراجية. وكانت منطقة النبع ولاتزال إلى عهد قريب بِكراً أما اليوم ومع الإهتمام بالسياحة والاصطياف فقد أنشئت عدة مقاصف فيها واستفيد من مياه النبع في تحسين مناظرها وتزيينها.
أما النبع العجائبي فقد دعيّ بالفوار كون المياه تفور منه بدون موعد ثابت فلربما تمضي أشهر بدون أن يفور، وربما أيام، وقد يفور عدة مرات في اليوم الواحد. إنما هناك إشارات ثلاث يطلقها النبع مثل إنفجار خفيف، تصعد معها المياه تدريجياً ليتمكن المتبركون من الصعود على درجِه ثم تسيل في المسيل العريض الممتد شرقاً إلى ما بعد الدير حيث تسقي أرجاء الوادي الجميل.
ونظراً لمكانة هذا النبع وشهرته في المنطقة من خلال معجزات حصلت فيه قديماً يحفظها السكان بالتواتر، لذلك فإن حرم النبع ومنذ القديم قد جرى تهذيبه في قلب الصخر ونقش الصليب المكرّم في أعلى مغارته.
مصادر البحث:
- الارشمندريت الكسندروس حجي: دير القديس جاورجيوس الحميراء.
- نشرة مصوّرة عن دير القديس جاورجيوس الحميراء.
- الوثائق البطريركية (مجموعة دمشق، اللاذقية، بيروت).
- شهادات شفهية من السكان المحليين.
1- القلالي: مفردها قلاية وتعني صومعة الراهب ومنسكه.
2- الصليبيين: وقد شاعت هذه التسمية كونهم كانوا يحملون شارة الصليب على ألبستهم وعتادهم الحربي وفي تعريف المؤرخين إن هذه الإشارة كانت رمزاً حربياً أكثر منه رمزاً مقدساً مثال النسر الروماني والطاووس الفارسي لذلك يستحسن إستعمال هذه التسمية (الفرنجة) كما كان يطلقها عليهم المؤرخون المسلمون وقتئذٍ.
3- المصرية: تعني النقود وقد سميت (المصرية) اثناء التواجد المصري في بلاد الشام واستمرت شائعة حتى وقتنا (المصاري).
الصفحات 1 2

