العلامات
دير رؤية القديس بولس البطريركي في كوكب
21/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
لذلك كانت هدفاً للسياحة الدولية ومقصداً منذ أقدم الأزمنة لطلاب المعرفة والراغبين في زيارة الأماكن الدينية .
- فإن شئت أن تأخذ سورية الطبيعية أو بلاد الشام التي تضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين فعليك ومنذ الوهلة الأولى أن تدرك معنى تسمية بلاد الشام التي أطلقها العرب المسلمون فقد أطلقوها على دمشق، فصارت دمشق الشام، وقد انطلقت هذه التسمية من الخاص إلى العام. فدمشق هي شآم أو شامة . وهي الندبة أو البثرة الجميلة التي تضفي حُسناً على الوجه لذلك يقول العوام ” الشام ، شامة ” وإطلاق هذه التسمية على سورية الطبيعية لأنها ليست أقل حسناً وجمالاً من عاصمتها الخالدة دمشق .
- وإن شئت أن تأخذ سورية بحدودها الحالية فما عليك إلا أن تدخلها من جنوبها من طريق فلسطين فتصل إلى مقربة من دمشق إلى كوكب، في كوكب حصلت معجزة رؤيا المضطهد شاول وفي دمشق وفي بيت يهوذا في الشارع المستقيم قبل ألفي سنة تقريباً وعلى يد حنانيا أول أساقفتها تم عماده فتحول من عدو لدود للمسيحية إلى مبشر ومشرع أول لها.
- وتذكر انك رافقت بولس الهارب في زنبيل من دمشق بمساعدة البواب جاورجيوس ( لأن الحراسة شديدة على أبواب دمشق لئلا يهرب من أيدي اليهود ) وذهبت معه إلى بلاد حوران ليبشر فيها وشاهدت تلك الأوابد / وقد كانت معالم حضارية / قدمت لرومة القمح فصّح فيها القول ” حوران مخزن غلال رومة “. كما قدمت لرومة المسيحية وبيزنطة زيت الزيتون الذي أنار كاتدرائياتها وكنائسها. تذكر بصرى وكاتدرائيتها الفخمة والتي سبقت كاتدرائية آجيا صوفيا في القسطنطينية التي بنيت على مثالها.
- وتذكر أن بولس الرسول عاد إلى دمشق، وكنت برفقته. وانطلقتما معاً إلى سورية الداخلية ثم الساحلية إلى العاصمة إنطاكية، وقد انضم إليكم بطرس الرسول وبرنابا وماتاهين وبدأتم بتبشير الجالية اليهودية المهمة فيها. وكان لها الشرف الأول بأنها المدينة الأولى بعد القدس التي أقيم فيها أول كرسي أسقفي بهمة العظيمين بطرس وبولس، وبأن بطرس كان أول أساقفته منذ ( 45 –53م ). وقبل عشر سنوات من إحداثه لكرسي رومية سنة 63م
- وصيرورته أول أسقف عليها واستشهاده هناك 66م وتذكر أن في ” إنطاكية ُدعي المسيحيون أولاً ” وهذا الشرف الثاني. أما الثالث فكان أنها عاصمة التبشير إلى القفقاس وآسية والهند وإلى آسية الصغرى ثم أوربة. لذا دعيت بالعاصمة التبشيرية المسيحية في كل العالم .
- تجول في جبال القلمون وجبال لبنان وقمم بلودان وجبل الشيخ، وفي صيدنايا ومعلولا، ودير عطية وفي يبرود والنبك، وحمص ووادي العاصي، ثم وادي العمق وسهول حلب وادلب في جبل سمعان وباريشا وقلب لوزة، وفي دورا اوربس في منطقة الفرات ( وفي ماردين وفي الجزيرة السورية العليا وفي كيليكيا وهذه كلها في سورية ). تجول في هذه المناطق، وعش مع آلاف الرهبان في القرن الرابع الذين استبدلوا الاستشهاد حباً بالمسيح بعد توقف الاضطهادات باستشهاد رهباني، وهو أيضاً تشبهاً بالمسيح وحباً به، إنما بشكل آخر يعتمد على قهر الجسد، ولا تزال إلى الآن بعض هذه القلالي والأديار شاهد حي على هذا النمط المعيشي، ومنها أديار عامرة كصيدنايا ومعلولا ( والشيروبيم بعد أن أعيد بناؤه قبل عقدين ) وقد بني بهمة رئيسة دير صيدنايا المرحومة الحاجة أبي حيدر وببركة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع ولايزال التحديث فيه مستمراً بهمة رئاسة ورهبنة دير القديس جاورجيوس البطريركي في بلدة صيدنايا الذي يضم آثار حوافر فرس القديس جاورجيوس في مزاره بناووس الدير، ودير مار الياس الحي في معرة صيدنايا ، ودير رؤية القديس بولس في كوكب ودير مار توما في صيدنايا ودير القديس جاورجيوس أزرع.
- ولست في معرض تعداد ما عندنا من مواطن سياحية وأثرية مسيحية لأن مقالنا مخصص للبحث في إحداها، إذ يحتاج ذلك إلى مجلدات ، ولكن يبقى صحيحاً ما قيل عن سورية أنها متحف مصغر للإنسانية، وتحت كل حجر من أحجارها وعلى كل قمة من قممها، وبجانب كل منهل مائي فيها أثر وعلم وذكرى، لا يقاربه أي مثيل له في أية بقعة من بقاع الأرض لأنها بالقول المختصر ( أرض الحضارات والأديان ) .
دير رؤية القديس بولس الرسول في سهل كوكب
بني هذا الدير في عام 1962 في منطقة تدعى تل كوكب على بعد 18 كم من دمشق على الطريق المتجهة إلى القنيطرة على أنقاض دير يعود إلى القرون المسيحية الأولى.
وفي الحقيقة فإن وصف ( تل ) يمكن أن يكون أكثر دقة من ( سهل ) لأنه في واقع الأمر هو عبارة عن تل بركاني تناثرت فيه حجارة بازلتية سوداء و تحيط به تلال عديدة مماثلة كانت معاقل رهبانية منذ تاريخ رؤية القديس بولس فيه أي قبل 1965 سنة تقريباً .
وقد لا يلفت هذا الموقع انتباه المسافر بأنه المكان الذي تحوَّل فيه شاول المضطهد إلى أبرز شخصية في العهد الجديد بعد الرب يسوع .فقد أصبح المجاهد الأكبر الذي لم يفتر خلال نيف و عشرين عاماً عن التجوال في العالم الروماني مبشّراً بالعقيدة الجديدة بين اليهود والوثنين متحملاً أذى هؤلاء وأولئك، وقد سُجن مراراً وسنين طويلة واستهدف لضرب السياط وللرجم بالحجارة، وتعرض للموت وغرقت فيه السفن ثلاث مرات، وعانى شدائد الأسفار وأهوال السهر والجوع والعطش وعنت الطبيعة حتى قضى شهيداً .
كانت عظاته مثالاً رائعاً لفن الخطابة و في كل الموضوعات التي تهم هذا الدين الجديد، لا بل كانت مصدراً رئيساً للتشريع بشقيه الروحي و الاجتماعي، وكان لها الأثر الأبعد في نشر المسيحية و في تشديد عزائم التلاميذ .
عندما يعود بولس إلى الماضي من حياته، يراها بقسميها واضحة أمام عينيه .حياته “بدون المسيح” وحياته “مع المسيح” و معه الآن من المنحنى الكبير الذي يقسم هذه الحياة إلى قسمين :إلى ثلاثة شلالات تنبع من حياتها الواحد تلو الآخر : مقتل استفانوس أول الشهداء ، الاضطهاد في اليهودية و سفرته إلى دمشق.
وتتدحرج هذه الحياة العاصفة بسرعة نحو ذات الارتداد العظيم الذي يحمل النهر و يقوده إلى مصب جديد ليوزع قواه الهائلة لا ليدمر بل ليزداد ويتضاعف ويثمر و يحمل الخيرات إلى الإنسانية .
لكنه لم يكن كذلك قبل المعجزة التي حصلت معه في كوكب، فقد عُرف في أورشليم مضطهداً للكنيسة. فكيف وصل إلى هذا الارتداد؟ و أية مراحل اجتازها في داخله ؟ سيبقى ذلك من الأسرار . لقد التصق بولس بطابع ارتداده الفائق الطبيعة التصاقاً لا تنفك عراه، وصار المسيح السماوي بملء قوته في توافق مع حياته .
بدأ هذا الارتداد بعد ثلاث سنين من صعود الرب إلى السماء، حين تكاثر المسيحيون في دمشق إلى درجة أقلقت السنهدريم (مجمع اليهود في أورشليم )وذلك بعد خلو أورشليم من المسيحيين الذين منهم مَنَ ذهب إلى ( يوبي )حيث كان بطرس يعلم، و منهم إلى السامرة حيث كان فيليبس و آخرون تاهوا وتشردوا، ومنهم من وصل إلى دمشق قلب سورية الشرقية ، فساهموا بزيادة عدد المسيحيين فيها. وانصب سيل اللاجئين المسيحيين هؤلاء إليها وكانت بالمقابل فيها أكبر الجوالي اليهودية، وكان لليهود من أيام الملك آخاب الحق بفتح المحلات التجارية على جانبي الطريق الطويلة. هناك خوف كبير على الألوف من اليهود المؤمنين من هؤلاء اللاجئين المسيحيين ، يجب أن تتطهر دمشق من هذه الخلية ، ولم يكن أحسن من شاول لتنفيذ مهمة القضاء عليها ، فصفاته وأفعاله توحي للسنهدريم بالارتياح ، فهو فريسي متعصب ويحمل الجنسية الرومانية ، وأهم من كل شيء أنه كان يرغب بمتابعة اضطهاد المسيحيين في دمشق بعد قيامه بذلك في أورشليم، وقام المجمع بتفويضه بشكل كامل بذلك و زوَّده بكتب إلى رؤساء اليهود في دمشق و إلى الحاكم فيها الذي ” كان تحت إمرة الملك الحارث يحرس مدينة الدمشقيين ” .
و هكذا ينطلق بولس ماراً بباب دمشق في أورشليم القريب من ضريح استفانوس الشهيد على رأس فرقة مسلحة وكان يمتطي جواده . السفرة تستغرق مدة أسبوع والمسافة مئتان و خمسون كيلو متراً . و كانت هناك ثلاثة دروب كلها تقود إلى دمشق و لا شك فيه انه اختار طريق سهل كوكب فهو الأسهل والأقرب و اختار الطريق المختصرة . و بعد ستة أيام وصل الموكب إلى عتبة تل كوكب البركانية عند مشارف دمشق .
كان شاول كالصياد الذي سيطر عليه هوس لا يُكبح لجامه، ومع ذلك لم يكن الصياد الوحيد في رحلته .كان هناك صياد آخر / أمهر منه / صياد التلاميذ كان يتبعه خطوة خطوة ، وأنى لبولس أن يعرف وهو يطارد المسيحيين الذين هربوا منه في كل طريقه من باب دمشق إلى جنين إلى سهل عسقلان إلى الناحية الخلفية لجبل حرمون المكلل بالثلوج أعتاب جبل الشيخ المقارب لدمشق ، أنى له أن يعرف انه مطارد من ” الصياد الإلهي ” الذي ناداه :”شاول شاول لماذا تضطهدني ؟” حسب أعمال الرسل وقد ترافق القول مع برق مبهر سطع من السماء أسقطه من على ظهر جواده إلى الأرض .
فحصل هذا الارتداد العنيف و الانقلاب الكامل فيه فتحول العدو الألد للمسيحية مناضلاً و واعظاً و ملتهباً في سبيلها حتى لقب بألقاب لا حصر لها : (رسول الأمم ، رسول الجهاد الأمين ، المجاهد الأكبر ، هامة الرسل ، المشرع الأول …) و ما ذلك إلا لكثرة مواهبه فهو كان ممتلئاً بالفلسفة اليونانية ، و عالماً متبحراً بالتوراة و الأسفار و العهد القديم ، لذلك جمع المعرفة الكاملة في تبشيره و تبدى ذلك جلياً في رسائله ، حتى عدَّه البعض أنه شوشّ بساطة المسيحية بأن فلسفها .

