إن أهم مشكلة تجابهها الأرثوذكسية في أميركا هي مشكلة “القوميات” ومكانتها في حياة الكنيسة، فالجيل القديم متمسك بجذوره القومية بينما جيل الشباب يتمسك بالأرثوذكسية في إطار القومية الأميركية ويرفض استعمال لغة غير الإنكليزية في الليتورجيا، فهذا الجيل يعتبر أن بلاده هي أميركا ولغته الوحيدة هي الإنكليزية، لذلك تنامت دعوات وتعالت أصوات تنادي بحل واحد ألا وهو إنشاء كنيسة أرثوذكسية أميركية واحدة تجمع كل الكنائس الأرثوذكسية.

لكن تلك الدعوات لم ترقَ إلى مرحلة التنفيذ فالرفض يتساوى معها لا بل ويزيد عنها وخصوصاً بين صفوف الإنطاكيين الأصيلين الذين دوماً يتطلعون إلى الكرسي الانطاكي المقدس. إن الحل الأمثل الذي شعرت به الكنائس الأرثوذكسية بقومياتها في أميركا هو التعاون فيما بينها مع بقاء الرئاسات لكل منها، وقد أخذ هذا التعاون وضعه المعلن سواء في مجلس الكنائس العالمي أو في إجتماعات الحركة المسكونية لتوحيد الموقف الأرثوذكسي وقد تأسس تبعاً لذلك في عام 1953 السندسموس (حركات الشبيبة الأرثوذكسية العالمية) حيث وُظِفت جهود هذه الحركات توظيفاً أمثل وخاصة في بلاد الشتات وقامت بشرح ماهية الأرثوذكسية بمختلف الوسائل المتاحة مما أثمر معه ما سبق التكلم عنه من انضمام أبناء كنائس إنجيلية إلى الكنائس الأرثوذكسية عن قناعة ورضى تامّين.

الشتات الانطاكي في أميركا الشمالية:

كنا قد استعرضنا في مطلع هذا البحث الأسباب التي دفعت بالانطاكيين للهجرة إلى العالم الجديد والتي كانت بداياتها مع عام 1880، ومع إطلالة عام 1891 وصلت الهجرة الانطاكية إلى قمتها وكانت نيويورك قبلة المهاجرين في العالم الجديد.

وفي عام 1892 جاء الارشمندريت قسطنطين طرزي “الدمشقي” من دمشق إلى نيويورك بمبادرة شخصية (وقد تسقف فيما بعد على أبرشية أرضروم عام 1904 لكن المنية وافته ولم يكن له فيها أكثر من أحد عشرة يوماً) وبوصوله بدأت الجماعة الأرثوذكسية بالتفتيش عن مكان تؤسس فيه كنيسة، لكن تعذّرَ على المهاجرين الجدد أن يعولوا كاهناً دائماً بسبب الفقر وقلة العدد وتشتتهم في هذه البلاد الشاسعة. لذلك عاد إلى دمشق وحلّ محله الارشمندريت خريستوفورس جبارة “الدمشقي” بمبادرة شخصية أيضاً وتمكّن عندها الانطاكيون الأرثوذكس في نيويورك من تأسيس مكان مؤقت للعبادة في قلب نيويورك.

وفي عام 1895 تأسست الجمعية الخيرية الأرثوذكسية ومقرها في نيويورك واختير السيد ابراهيم عربيلي “الدمشقي” رئيساً لها وكانت مهمتها إنشاء كنيسة أرثوذكسية والتفتيش عن راعٍ صالح قادر على خدمة شعبه هناك، لذلك اتجهت الأنظار نحو الارشمندريت روفائيل هواويني “الدمشقي” المقيم في روسيا وكان حينذاك على خلاف مع البطريرك الانطاكي اسبريدون (1892ــ 1898) حيث لم يعترف بالرئاسة اليونانية على السدة الانطاكية فعزله البطريرك عن رئاسة الأمطوش الانطاكي في موسكو وأذن له بالبقاء في روسيا فبقي هناك تابعاً للكنيسة الروسية ومدرّساً في أكاديمية قازان اللاهوتية.

وبعد مداولات مع الجمعية الخيرية الأرثوذكسية رضي بالسفر إلى أميركا ورضيت الجمعية بدورها بتبعية الارشمندريت للمجمع الروسي وجاء إليها ومعه اللوازم والتجهيزات الكنسية ومعه من الدارسين في أكاديمية قازان جان شامية وقسطنطين أبو عضل وكلاهما من دمشق.

الصفحات 1 2 3 4 5