العلامات
الوجود الأرثوذكسي في أميركا-الجزء الأول
31/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
ثم شكّل لجنة لتقوم بإدارة الكنيسة وتنظيم شؤونها المالية في 19آب 1923 برئاسته وعضوية السيد فؤاد حداد (أميناً للسر) وجبرائيل مجدلاني (أميناً للصندوق) وغيرهما وكانت هذه اللجنة على إتصال دائم بالبطريرك غريغوريوس تطالبه بأسقفٍ يسوس الرعية ويضع الحجر الأساس لأبرشيةٍ إنطاكيةٍ مستقلة. لكن أجوبة غبطته كانت تطالب بالتريّث ليتحقق من تبعية أميركا هل هي للكرسي المسكوني أم للروسي؟
عاد أبو الروس إلى بيروت فأبرقَ غبطة البطريرك غريغوريوس إلى تلميذه النجيب المطران ميخائيل شحادة المقيم في البرازيل لزيارة بوينس آيرس وسائر الأرجنتين ووضع دراسة مفصّلة عن إحتياجات الرعية الإنطاكية فيها فقام سيادته مجاهداً بتنظيم وتبويب القوانين الكنسية. وبجمع المال وشراء أول قطعة أرض لبناء أول كنيسة إنطاكية أرثوذكسية هناك. ثم خلفه بعد رقاده بالرب عام 1933 مثلث الرحمات المطران ميخائيل خلوف فالعلاّمة القانوني الارشمندريت حنانيا كساب.
ويجدر بنا، ومن باب الإنصاف، ذكر الأب باسيليوس خرباوي وجهوده في هذه الأبرشية.
ولمعرفة احتياجات هذه الأبرشيات بعد تنامي الأصوات الأرثوذكسية فيها أوفَدَ مثلث الرحمات البطريرك ألكسندروس الثالث وفداً بطريركياً برئاسة متروبوليت حماة المطران إغناطيوس حريكة في عام 1946 لاستطلاع احتياجات الأبرشية. وفي عام 1949 أوفد المجمع الإنطاكي المقدس الأسقف سرجيوس سمنة إلى الأرجنتين ثم المتروبوليت نيفن سابا راعي زحلة في عام 1950.
ولعل أطول فترة كانت تلك التي قضاها مثلث الرحمات متروبوليت عكار ابيفانيوس زائد في كل أميركا اللاتينية حيث دامت عامين ونصف العام بدءاً من سنة 1954.
وفي جلسة المجمع الإنطاكي المقدس التي عُقدت في دار البطريركية بدمشق في تشرين الثاني 1955 انتخب أسقف ايديسا ملاتيوس الصويتي الوكيل البطريركي بدمشق متروبوليتاً على الأرجنتين وأحدثت بالتالي أبرشية الأرجنتين وتوابعها تبعاً لذلك.
وكان ذلك اعترافاً بقدراته الرفيعة في العلم والأدب والروح واللاهوت وبنجاحه في الوكالة البطريركية بدمشق، هذا النجاح الذي جعل رعيّة الأرجنتين تصرّ على المطالبة به. وكان قبل انتخابه أسقفاً على ايديسا في 21 تشرين أول 1951 قد خدم كنيسة السوريين الأرثوذكس في الإسكندرية منذ الثلاثينات بنجاح واقتدار.
ذهب المتروبوليت صويتي إلى الأرجنتين لإستلام مهامها وكان من أوائل أعماله هناك القيام بإصلاحات داخلية من تأليف لجان لبناء الكنائس وتأسيس جمعيات جديدة وتشجيع للجمعيات المؤسسة سابقاً لأعمال الخير وقيامه بزيارة رعاياه في جميع المدن والقرى الداخلية التي كانت محرومة من العناية ليحثّها على العمل البنّاء في خدمة الكنيسة.
كما أقام مؤتمرات مع المجالس الملّية في الأبرشية وأنشأ علاقات مع الدبلوماسيين الأرجنتينيين والعرب ومع إكليروس الكنيسة الكاثوليكية.
ومع وصوله تأسس في 28 حزيران 1956 اتحاد الشبيبة الأرثوذكسية في بوينس آيرس وكوردوبا “U.J.O” ومع وجود مجموعات أرثوذكسية قوية في مدن داخلية أخرى كروساربو وتوكومان تأسست فروع لاتحاد الشبيبة الأرثوذكسية بالإضافة إلى فرقٍ للتعليم الديني للأطفال والكشّافة كانت تابعة لإتحاد الشبيبة الأرثوذكسية.
ومنذ عام 1908 كانت الجمعيات والأخويات والمؤسسات الأرثوذكسية تتشكل كالجمعية الخيرية في بوينس آيرس وجمعية النجدة واستمر تأسيسها حتى عام 1978 مثل جمعيتي الآباء والأمهات، ولا يزال مستمراً. وكان دور هذا الراعي الحكيم توجيه هذه المؤسسات لاحتضان القطيع، فاستطاع أن يجمع أبناء الرعية بمحبة كما فعل بدمشق أثناء وكالته البطريركية إذ كان يزورهم ويعلمهم ويحثهم على الإيمان والارتباط بالوطن الأم ويقيم الكهنة ويسعى إلى تأهيلهم ما أمكن.
لا مجال للشك في أن الأرثوذكس في الأرجنتين توصّلوا لأن يكونوا ذوي قدرة إقتصادية ومستوى رفيع في المجتمع.
إن من السلبيات التي صادفها المطران ملاتيوس أنّ المهاجرين كانوا لا يعرفون الأرثوذكسية إلا بالممارسة التي تقلّصت في أيام العمل الطويلة التي عاشوها في الأرجنتين وخصوصاً لأن الإكليروس كان غير كافٍ في بعض الأحيان، وفي أفضل الأحوال كان هناك كاهن واحد لكل مدينة وكان يشكو من نقص في التأهيل المسيحي الأرثوذكسي.
المشكلة التي طُرحت بقوة في وقته ولا تزال قائمة أن أبناء المهاجرين الذين كانوا يجهلون الأرثوذكسية كلياً لم تكن تكفيهم المشاركة في ساعة القداس الإلهي الأسبوعية وحدها لإشباع حاجاتهم الروحية.
وإذا قرأنا معاهدة التعاون التي وقعّها المتروبوليت صويتي مع المتروبوليت فرزلي مطران البرازيل سنة 1959 لأدركنا مدى تحسس هذا الراعي الصالح للهموم سالفة الذكر وانه كان ومنذ البدء واعياً لها. وقد تضمنت هذه المعاهدة عدة مشاريع مرتبطة بالتربية المسيحية الأرثوذكسية (معهد اللاهوت ــ مجلة للأبرشية ــ برنامج تعليم ديني ومدرسة في كل رعية) إلا أن هذه المشاريع مُنيت بالفشل لأن الإنطاكيين وإن كانوا قد بنوا أبنية كثيرة فإنهم لم يتلقوا تبشيراً أو تربية حقيقية.

