الوجود الأرثوذكسي في أميركا-الجزء الأول

31/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

إن ما نلحظه اليوم عند الرعية الإنطاكية في الأميركيتين من غنى ومكانة مالية مرموقة كانت بداياته وفق هذا الواقع المؤلم والمرير.

ومع ذلك فهؤلاء لم ينسوا عقيدة الآباء والأجداد الأرثوذكسية ولم ينسوا إنطاكية العظمى التي أفرزتهم حيث كان فرحهم لا يوصف بمجيء كاهن إنطاكي كان يحمل لهم الزاد الإلهي فيتركون العمل ويلتفون حوله كما سنرى.

الوجود الأرثوذكسي الإنطاكي في أميركا الجنوبية:

تنقسم أميركا الجنوبية حالياً إلى أبرشيتي الأرجنتين والبرازيل ومعلوم أنهما من الأبرشيات الإنطاكية الكبيرة عددياً ومادياً. يضاف إليهما معتمديات بطريركية (سفارة بطريركية) في تشيلي والريودوجانيرو (البرازيل) والأورغواي والمكسيك برئاسة أسقف يمثل غبطة البطريرك الإنطاكي في معتمديته.

ومع بدايات الهجرة الإنطاكية في أواخر القرن الماضي، ومع ازديادها في بدايات القرن الحالي والوصول إلى الحد الأعظمي في منتصف الثلاثينات ظهرت الحاجة واضحة جداً لتأسيس هذه الأبرشيات على أساس جغرافي بحيث تشتمل على دول كالبرازيل والأرجنتين وتشرف على مناطق أخرى إذ كانت هذه القارة وخصوصاً في تجمعات المهاجرين واحدة حصراً ويرعاها راعٍ واحد. لذلك سنرى أسماء بعض المجاهدين الأُول من الأعلام الإكليريكيين الإنطاكيين يقومون برعاية البرازيل والأرجنتين وتشيلي وغيرها بآن معاً ويصعب في هذا الواقع تحديد أسقفية جغرافية خاصة بهم ومعلوم ما يعنيه ذلك من أتعاب جمّة وتبشير في مناطق مترامية الأطراف ومجهولة وليس فيها من طرق المواصلات ووسائل الإتصالات ما هو بالحد الأدنى. لذلك، فإن هذا العمل الرعائي الذي قام به أولئك الأعلام يقارب في مستواه التبشيري العمل الرسولي في القرن المسيحي الأول. وخاصة لأن الكثيرين منهم عاشوا وبشّروا وخدموا وقضوا آجالهم وكانوا ولا يزالون مغمورين لا بل أصبحوا في ذمة النسيان من الذاكرة الإنطاكية بالرغم من كل هذا الجهاد. لذلك فمن باب الإنصاف يحق لهم كما يتوجب علينا، رعاة ورعية، أن نفخر بهم قديسين إنطاكيين جدد قدّموا كل هذا الألق الأرثوذكسي الساطع هناك الآن.

ومع ازدياد عدد المغتربين الإنطاكيين في منتصف الثلاثينات كان لا بد من التقسيم الجغرافي كما هو حاصل الآن ولنبدأ بأبرشية الأرجنتين.

أبرشية الأرجنتين:

إن أول راعٍ أرثوذكسي إنطاكي وطئت قدماه أرض أميركا الجنوبية وبدأ من الأرجنتين كان الخوري جرمانوس شحادة (مطران سلفكية وتوابعها لاحقاً) وكان ذلك في أواخر القرن ال19 ثم خلفه الخوري بولص الخوري فالمطران ايليا ذيب (مطران صور وصيدا) وهو من أصل فلسطيني ترك أبرشيته وكانت غايته جمع التبرعات من أميركا الجنوبية لكنه بقي في تشيلي ولم يعد , وشملَ برعايته كل المنطقة (كما سلف القول).

في عام 1913 كتب المغتربان السيدان فؤاد انطونيوس حداد وشاكر حبيب شقرا وأصلهما من حمص إلى مثلث الرحمات متروبوليت حمص القديس أثناسيوس عطاالله يرجوانه ويسترحمانه إرسال قُدس الارشمندريت ملاتيوس فركوح ليقوم بالخدمة الروحية في بوينس آيرس للمغتربين الإنطاكيين من حمص وسائر أرجاء الكرسي الإنطاكي وباللغة العربية. فأجابهم برسالة رقمها 495 تاريخ 11 حزيران 1913 مصدرها من (دوير حمص) معتذراً في الوقت الحاضر لسببين إثنين:

1ــ وجوب أخذ موافقة الرئيس الروحي للإرسالية الروسية الأرثوذكسية المتقدم في الكهنة الأب قسطنطين بصفته رئيساً للوجود الروحي الأرثوذكسي في أميركا. ولأن الكنيسة الروسية تمتعت بهذا الحق منذ عام 1792 بإعتراف البطاركة الأرثوذكس الأربعة.

2ــ ليس من يسد محل الارشمندريت فركوح في حمص حالياً وسيعمد إلى تهيئة بديلٍ يكون خليفةً له في حال تحقق موافقة الأب قسطنطين على أن يرسله إلى بوينس آيرس.

وقام السيدان المذكوران بأخذ موافقة المتقدم في الكهنة الأب قسطنطين لكن قيام الحرب الكونية الأولى 1914 ــ 1918 حال دون قدوم الارشمندريت فركوح. وجاء غيره من الآباء للخدمة في سائر أرجاء الأرجنتين.

وفي عام 1920 وصل مجاهد الكرسي الإنطاكي المقدس في العصر الحديث صاحب الخبرات الرعائية في الوطن وموسكو الإرشمندريت إغناطيوس أبو الروس الذي كان له كل الفضل في تأسيس هذه الأبرشية، وكان مزوّداً برسائل توصية من مثلث الرحمات قديس إنطاكية في القرن العشرين البطريرك غريغوريوس الرابع وكان يُحسن الروسية والإفرنسية أكثر من العربية بدلالة رداءة خطه وركاكة أسلوبه فيها. وكان قد شرّطن عام 1905 في موسكو أرشمندريتاً بحضور أعظم رجالات الدولة في روسيا وبعطف ظاهر من الامبراطور نقولا الثاني كونه كان رئيساً للأمطوش الإنطاكي في روسيا.

كان المرحوم أبو الروس طاهر القلب وديعاً مُحباً للجميع محبة مسيحية صرفة مع كرم أخلاق مثالي مجاهداً لم يحصر جهاده بالأرجنتين وبوينس آيرس بل عمّمه على الأورغواي والبارغواي وكان مساعداً أكبر للخوري قسطنطين الروسي.

بهمته وأفراد الجالية تم استئجار كنيسة في الحي السوري هي عبارة عن منزل واسع في شارع بارغواي في العاصمة بوينس آيرس رقمه 483 بقيمة 600ريالاً ذهبياً وأقام فيه أول قداس في 5 آب 1923 بمشاركة الأبوين قسطنطين الروسي والخوري موسى الحجار.

الصفحات 1 2 3 4 5 6