الوجود الأرثوذكسي في أميركا-الجزء الأول

31/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

أسباب الوجود الإنطاكي في أميركا:


يمكن أن نلخص ذلك بالأسباب التالية:

الأسباب الإقتصادية:

كانت الأوضاع الإقتصادية المتردّية لمسيحيي بلاد الشام هي الباعث الرئيس في الهجرة. فقد أدى شق قناة السويس عام 1869 إلى زعزعة معظم الصناعات والحِرف الدقيقة التي اختص بها نصارى بلاد الشام وخصوصاً الدمشقيون ومن أهمها صناعة الحرير الطبيعي التي اختصت بها أسرٌ دمشقية كاملة. ومنها أيضاً صناعة الخمور ذات الشهرة المرموقة في الأسواق الأوربية التي اهتزت لإصابة كروم العنب بآفات زراعية فتأثر معظم الوضع الإقتصادي في بلاد الشام وأصيب النصارى بشكل أعمق لإختصاصهم بالحِرف والصناعات الشهيرة كما سبق.

الأسباب السياسية:

كانت سياسة الولاة العثمانيين جائرة بحق المواطنين عموماً وخصوصاً المسيحيين فهؤلاء أصحاب حِرف مشهورة وهذا يعني زيادة في مبلغ الضريبة السنوية (وما أكثر تنوّع الضرائب في الدولة العثمانية) واستيفاء الضريبة عدة مرات في السنة لإرضاء الباب العالي في الأستانة خوفاً من العزل أو النقل اللذين كانا يتمّان بدون سابق إنذار بحق الولاة إلا إذا كان الوالي قادراً على جمع الأموال الأميرية بما يُغني خزينة السلطنة العثمانية ويضمن الرضى الهمايويني. وكانت مقادير عظيمة من هذه الأموال تذهب إلى جيوب الولاة وإلى أعوانهم بأساليب شتّى من المضايقات والإبتزاز.

وبصدور خط كلخانة في النصف الثاني من القرن 19 الذي ساوى رعايا السلطنة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الجنس والدين والمذهب، برزت مشكلة جديدة للمسيحيين في بلاد الشام، تتمثل في خدمة العلم أو دفع البَدل النقدي. فخدمة العلم كانت تعني القضاء على الشاب إذ كان يُساق إلى ولايات بعيدة كالروملي والأناضول واليمن وترعة السويس وخصوصاً في زمن حكومة الإتحاد والترقي. هذا إذا أخذنا في الإعتبار عدم تحديد مدة حقيقية لهذه الخدمة وربما يقضي هذا الشاب نحبه أو يُفقد في ديار غريبة بسبب الحروب والثورات المتعددة التي قامت بها العديد من القوميات الداخلة في التركيبة العثمانية، لذلك كان الأهل يفضلون دفع البدل النقدي إلى مأموري الجباية بواسطة مخاتير الطوائف المسيحية ومن ثم يركبون البواخر إلى المقلب الآخر من العالم (القارة الأميركية) هرباً من تكرار الدعوة أو للخدمة الإحتياطية وفق ما كان يسمى بالنفير العام وبالتحديد زمن سفر برلك (الحرب العالمية الأولى).

الأسباب الإجتماعية:

تركت أحداث فتنة عام 1860 الطائفية في بلاد الشام غصة وأثراً في نفسية مسيحيي جبل لبنان ودمشق فهم لم ينسوا أن الألوف من ذويهم كانوا وقوداً لفتنةٍ طائفية غذّتها مؤامرات السلطان العثماني (للتخلص من الإمتيازات المذهبية التي فرضتها الدول الأوربية على الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض)) والصهيونية العالمية واليهودية المحلية مع بعض التعصب والتطرف الديني عند بعض الجهلة المسلمين الذين لم يرق لهم أن يصبح النصارى مواطنين من الدرجة الأولى و مساوين لهم في الحقوق والواجبات بعد أن كانوا طيلة عهد الإنحطاط مواطنين من الدرجة الثالثة.

أمام هذا الواقع الإجتماعي الذي أفرز قلقاً دائماً من تجدد مثل هذه الفتنة المؤلمة بادر العديد من الأُسر المسيحية الدمشقية إلى الهجرة مؤقتاً إلى بيروت (في طريقها إلى أماكن أخرى أكثر أماناً) ولتحقيق ذلك نشأت في وسط هؤلاء المهاجرين جمعية خيرية تهتم بتأمين فرص عمل مؤقتة لهم في بيروت ومساعدتهم مادياً واهتمت بتزويج الفتيات اليتيمات منهن وكان اسم هذه الجمعية (أخوية العائلات الدمشقية الأرثوذكسية المستورة في بيروت) ورئسها لفترة طويلة وكيل مطران بيروت المثلث الرحمات غفرئيل شاتيلا الدمشقي، الخوري اسبر الباشا “الدمشقي”.

كما هاجر العديد من رجال الأعمال والحِرف والأدباء وأرباب النهضة العلمية من رواد عصر التنوير الشامي إلى مصر واحة الحرية في الإقتصاد والسياسة والفكر في ظل حكم أسرة محمد علي باشا حيث شكلوا ما يسمى بكنيسة الوطنيين الأرثوذكسيين في الاسكندرية والقاهرة وبقية المدن المصرية وتولّوا مناصب رفيعة في الصحافة والمجتمع والاقتصاد وهم الآن أصحاب مكانة حقيقية في جمهورية مصر العربية أمثال أسرة الأمير لطف الله. ولكن قارة أميركا كانت بنظر كل سكان بلاد الشام من المسيحيين هي أرض الحرية والرخاء مع أن الواقع الذي صادفه المهاجرون من الرعيليّن الأول والثاني كان مريراً من جوع وفقر وتشرّد وحتى القتل على أيدي قطّاع الطرق وبخاصة أثناء تنقّلهم بين القرى النائية في المجاهل الأميركية وهم يحملون على ظهورهم (كشّات) السِلع لبيعها للسكان المحليين.

الصفحات 1 2 3 4 5 6