العلامات
الوجود الأرثوذكسي في أميركا-الجزء الأول
31/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
صفحة مضيئة من تاريخ الأرثوذكسية
الوجود الأرثوذكسي في أميركا
نبذة تاريخية في إكتشاف أميركا:
في عام 1492 أبحر البحّار الإيطالي كريستوف كولومبوس بثلاث سفن من اسبانية وبتمويل إسباني متّجهاً نحو الغرب في المحيط الأطلسي للوصول إلى شرق آسيا إلى موطن التوابل. وبعد رحلة استغرقت قرابة شهرين عانى فيهما من تمرّد بحّارته وصل إلى مجموعة من الجزر أطلق عليها اسم (جزر الهند الغربية) وكانت منها جزيرتا (كوبا وهاييتي) ولم يكن يعرف أنه اكتشف أرضاً جديدة إذ أن بشرة سكانها كانت تشابه بشرة سكان الهند مع فارق يتمثّل باعتماد السكان في هذه المنطقة على تلوين أجسامهم. لذلك أُطلق عليهم تسمية (الهنود الحمر) Les Peaux Rouges. وقد تمكّن في رحلته هذه من الحصول على الذهب من هؤلاء السكان، ولكنه لم يستطع إحضار التوابل، ثم مات في عام 1506 دون أن يعلم أنه اكتشف أرضاً جديدة.
وفي عام 1500 أرسل ملك البرتغال بحّاراً إيطالياً آخر هو (أمريكو فسبوشي) لاستطلاع الأراضي التي كشفها كولومبوس، فرسى على شاطئ البرازيل وأيقن عندها أن ما وصلَ إليه كولومبوس ليس آسيا أو جزر الهند الغربية إنما هو عالم جديد ما لبث أن أُطلق عليه اسمه تكريماً له.
التبشير المسيحي في أميركا الجنوبية:
نظراً لغنى هذه الأرض الجديدة بالذهب، بدأت طلائع المغامرين والمهاجرين الطامعين بالثراء تصل إلى أميركا، وكانوا في غالبيتهم من طريدي العدالة وقطّاع الطرق بالإضافة إلى المحكوم عليهم بالنفي إلى هذا العالم الجديد.
وكان هؤلاء يواكبون القوات الإسبانية والبرتغالية في فتح هذه البلاد الجديدة والتوغل في مجاهلها. وسرعان ما لحق بهم المبشِّرون اليسوعيون والفرنسيسكان ثم بقية الرهبنات التبشيرية اللاتينية حيث بدأوا بتنصير الهنود الحمر وبنوا الكنائس وزينّوها مستفيدين من مناجم المعادن الثمينة المتوافرة بكثرة في هذه الأرض البكر.
وبعد استتباب فتح القارة الجنوبية والهيمنة عليها دخلت بقية الإرساليات والرهبنات الإسبانية والإيطالية والبرتغالية والفرنسية فتثقف عليها السكان الأصليون والمهاجرون فانتشر تبعاً لذلك المذهب الكاثوليكي اللاتيني ودعيت هذه القارة بأميركا اللاتينية.
الوجود الأرثوذكسي في أميركا الجنوبية:
يرجع الفضل في وجود الكنيسة الأرثوذكسية الأولى في أميركا الجنوبية إلى الامبراطور الروسي ألكسندر الثالث “حسن العبادة” وكان ذلك بتاريخ 14 تموز 1888 في بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين إستجابة لطلب الجاليات الأرثوذكسية المهاجرة من اليونان وصربيا وأرجاء الكرسي الإنطاكي المقدس والكرسي الأورشليمي المقدس. وقد قام وقتئذٍ الخوري ميخائيل ايفانوف والشماس سيزيمسكي باستئجار منزل متواضع في أحد أحياء “بوينس آيرس” وأقاما فيه أول قدّاس إلهي في (1 كانون الثاني عام 1889) وبعد عامين اثنين عادا إلى روسيا فبقي الشعب هناك بدون كاهن إلى أن حلّ محلهما المتقدم في الكهنة الخوري قسطنطين ارزاتزوف الملحق بالسفارة الإمبراطورية الروسية في “هولندا” فوصل إلى بوينس آيرس (في 16 نيسان 1891) وكان هو الكاهن الأرثوذكسي الوحيد في كل أميركا الجنوبية.
استفاد هذا الكاهن النشيط من صفته الدبلوماسية هذه في تعميق الإتصالات مع رجال الحكم في الأرجنتين من رئيس البلاد إلى رجالات الدولة فالاكليروس اللاتيني. وكان يُدعى للإحتفالات الرسمية، لذلك كان يناقش أولئك في الكنيسة والعقيدة الأرثوذكسية التي تكاد تكون مجهولة تماماً لديهم وسهَّل لهم بالتالي الإطّلاع عليها. وكان يقول دوماً أن الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية غصنان في شجرة واحدة وتباعدا بأسفٍ منذ أجيال لأسباب من صنع البشر.
أسس هذا الكاهن الجمعيات الخيرية التي كانت أهم أهدافها إنشاء الكنائس أولاً ومساعدة المحتاج من كل الجاليات الأرثوذكسية في هذا الوطن الجديد ثانياً، لذلك كان وعلى الدوام يُراسل المجمع الروسي المدبِّر والقيصر الروسي شارحاً لهم واقع الحال والحاجة الماسة إلى بناء الكنائس فأرسل له الإمبراطور ألكسندر الثالث مبلغ 18.100 روبل ذهبي، استفاد منها الخوري قسطنطين مع ما جمعه من الأرثوذكسيين المقيمين في بناء منزل ليستغل أجرته في سد النفقات الضرورية للعمل الرعائي.
ثم سافر إلى روسيا عام 1898 حيث قام بجمع التبرعات هناك بإذن من المجمع الروسي المدبِّر وعاد إلى بوينس آيرس حيث بنى كاتدرائيتها الفخمة ودشنّها في 6تشرين الأول 1901 بحضور رئيس الجمهورية وأعضاء السلكين السياسي والدبلوماسي.

