العلامات
المطران بولس أبو عضل الدمشقي
27/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
في تلك الفترة، شغل الشماس مهاماً عديدة منها: إدارة مدرسة الآسية البطريركية لمدة عامين
(1893ـ1894) فقام بخدمتها خير قيام وشهدت في عهده نجاحاً متميزاً، ورئاسة جمعية القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية(7) في عام 1893، والوعظ في الكاتدرائية المريمية حتى لقّب بالواعظ.
كما تولّى رئاسة المجلس الملي البطريركي (القومسيون الزمني) وعضوية المحكمة الروحية البطريركية فأغناها بعلمه وفتاويه وبتضلعه في المعارف القانونية والروحية. لذا كافأه البطريرك اسبيريدون برسامته في الكاتدرائية المريمية كاهناً وأرشمندريتاً(8) يوم عيدها، عيد انتقال السيدة العذراء في 15 آب 1894.
وفي عام 1898 استقال البطريرك اسبيريدون من بطريركية أنطاكية وانتخب المجمع الانطاكي المقدس خلفاً له مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني. كان علمنا يومذاك يشغل وظيفة أمين سر المجمع فوقف في الكاتدرائية المريمية بدمشق يوم الأحد 31 تشرين الأول 1899 وأعلن:
«إن المجمع الانطاكي المقدس بإلهام من الله انتخب غبطة السيد ملاتيوس الجزيل الطوبى بطريركاً لانطاكية وسائر المشرق»
وفي 5 حزيران 1906 تلا ذات الكلمات في حفلة تنصيب البطريرك غريغوريوس حداد.
في شموسيته وارشمندريتيته خدم الملة كما خدم ثلاثة بطاركة بما يرضي الله والناس، وصحب البطريرك ملاتيوس في رحلته البطريركية عام (9)1900 إلى الأبرشيات.
في أسقفيته:
بعد انتقال مطران بيروت ولبنان غفرائيل شاتيلا (الدمشقي) إلى الأخدار السماوية سنة 1901 ونتيجة للطلبات التي رفعتها رعايا جبل لبنان إلى البطريرك ملاتيوس والمجمع الانطاكي المقدس بإحداث أبرشية خاصة بالجبل تحسّن رعاية هذه الأبرشية الواسعة بحيث لا يكون أبناؤها عرضةً للتأثر بالتبشير الكاثوليكي والبروتستانتي المتزايد في المنطقة، قرر المجمع الانطاكي المقدس فصل أبرشية بيروت ولبنان إلى أبرشيتين:
1ـ أبرشية بيروت وتوابعها التي تشتمل على بلدة سوق الغرب الجبلية لتكون مقراً صيفياً لمطرانية بيروت وانتخب لها الأرشمندريت جراسيموس مسرة اللاذقي مطراناً.
2ـ أبرشية جبل لبنان «جبيل والبترون وتوابعهما) ومقرها بلدة الحدث. وانتخب المجمع الأرشمندريت بولس أبو عضل مطراناً على أبرشية جبيل والبترون في 31 كانون الثاني 1902، وتمت رسامته في الكاتدرائية المريمية بدمشق في 3 شباط 1902 أي بعد ثلاثة أيام. وصدر عن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في آذار سنة 1903 فرمان بالموافقة على فصل الأبرشية إلى اثنتين والاعتراف بشرعية المطران بولس. فاستقبل أبناء رعايا أبرشيته البشرى بالحبور وأخذوا يتهيأون لاستقبال مطرانهم الأول مؤسس أبرشيتهم، وعلم بما كانوا يستعدون له فألحّ عليهم بوجوب اجتناب مظاهر البهجة في استقباله والاقتصار على الاحتفال الديني فاعتذروا واحتفوا به بكل احترام.
التحق علمنا بمركز أبرشيته يوم الأربعاء في 2 نيسان 1903، ولاقاه أبناؤها على طول الطريق المؤديّة إلى بلدة الحدث حيث جرى له احتفال عظيم لا يزال الناس يذكرونه بدون انقطاع.
زار رعايا أبرشيته واستغرقت هذه الزيارات شهوراً عديدة أسس خلالها بعض الكنائس وعدة مدارس وفتح باب الاكتتاب لتأسيس اثنتي عشرة مدرسة وثلاث كنائس وأحصى رعيته إحصاءً دقيقاً، فكان الحاضرون منها في لبنان 23452 والغائبون عنها 2951 جملتهم 26403، ثلثهم في بلاد المتن، ربعهم في بلاد الشوف والبقية في قرنة جبيل من كسروان.
في أعماله:
أخذ يجاهد في سبيل الأبرشية، فكان أول ما وجه أنظاره إليه تشييد مركز المطرانية. فاشترى الأرض وشيّد البناء. واحتفى بوضع الحجر الأساس في 10 تموز و23 تموز 1903، ثم لاحظ حاجة الكهنة إلى ملابس كنسية فوزّع عليهم نحو سبعين بدلة. وكان لا يتأخر عن المساهمة مالياً ومن جيبه الخاص(10) في تأسيس الكنائس والمدارس وفي منح معونات للكهنة بعد رسامتهم وفي مساعدة الجمعيات الخيرية. اتجهت نيته إلى إشراك الجماعة في تسيير شؤون الأبرشية فدعا إلى تأليف مجلس ملي فيها ولم تتحقق نيته إلا سنة 1914.
رسم نحو عشرة أرشمندريتيه منهم نيقولاوس فرح وغريغوريوس الكفوري وباسيليوس عم ورومانوس ديرعطاني، كما رسم أكثر من أربعين كاهناً منهم الياس عبد الكريم (والد مثلث الرحمات مطران حمص ألكسي عبد الكريم) كاهناً لفرن الشباك مع عدّة شمامسة وبعض الرهبان.
اشترى أرضاً واسعة في الحدث وشيّد فيها دار المطرانية فكانت صرحاً كبيراً. أنشأ ثلاث مدارس داخلية في أدياره: ماريوحنا دوما عام 1911. سيدة النورية عام 1921، القديس جاورجيوس الحرف عام 1922.
بني في زمانه وبسعيه وتنشيطه ومساعدته حوالي 30 كنيسة و30 مدرسة فضلاً عن البيوت والمخازن لأوقاف الكنائس عدا أعمال الترميم والتصليح في كثير منها.
وتألّفت في عهده لجان عديدة لتشييد وإدارة هذه المدارس والأوقاف وحوالي 20 جمعية أدبية وخيرية منها جمعية سيدات دوما والبترون وفرن الشباك وبحمدون.
جدد كنيسة السيدة في دير النورية، ونقل دير سيدة حماطورا إلى موقع أعلى عندما هدمه زلزال سنة 1918.
أتى الأبرشية وكان فيها 26 كاهناً فأصبحوا 60 كاهناً، وارتفع عدد المدارس الأرثوذكسية من 20 مدرسة إلى 40 وأصبح عدد معلّميها ومعلماتها نحو 70، وتلميذاتها وتلاميذها 2000.
اشترك مع نجيب خلف بترجمة جديدة للانجيل المقدس وللرسائل عن اليونانية.
في وفاته:
وفيما هو يجاهد في سبيل خير أبرشيته، انحرفت صحته واشتدّ مرضه وعانى آلاماً شديدة، فخلد إلى السكينة والراحة برهة من الزمن. وعندما شعر بتحسن حالته الصحية ذهب إلى دمشق لحضور دورة المجمع الملتئم فيها لانتخاب خليفة للبطريرك المتنيّح غريغوريوس حداد، وهناك انتقل فجأة إلى الحضرة الإلهية صبيحة الثلاثاء 19 تشرين الثاني 1929، فجيء بجثمانه إلى الحدث ودفن في كنيستها في 20 منه. وفي كل من دمشق ولبنان جرى له مأتم لائق مهيب شاركت فيه قلوب الجموع الغفيرة من أبناء رعيته ومريديه وعارفي فضله وبعد صلاة الجناز أبّنه الأستاذ فؤاد الخوري باسم المجلس الملي تأبيناً بليغاً (… مع غيره…) وشاركت مختلف فعاليات الدولة والجمعيات والكنائس الشقيقة في وداعه المهيب في دمشق وفي لبنان.
في صفاته:
اتصف برحابة الصدر وبجمال المحيا ومهابته. وكان أنيس المحضر، كريم الملقى، كثير الملاطفة لكل مَن يزوره.
_____________________________________________________________________
ـ انظر سيرته في عدد سابق من النشرة. وقد طوّبه المجمع الانطاكي المقدس بدوره الموسّع الذي عُقد في البلمند عام 1993 قديساً إنطاكياً باسم القديس الشهيد في الكهنة يوسف الدمشقي. وقد تقرر التعييد له ولرفقته شهداء 1860 في 10 تموز من كل عام وهو يوم استشهادهم.
2 ـ سُميّت بهذا الاسم لأنها كانت تقبل الطلاب من جميع الأجناس.
3 ـ كان يشرف شخصياً على هذه الكلية ويحضر امتحاناتها ويرأس حفل تخرّج طلابها ويوزّع عليهم الشهادات.
4 ـ (1885 ـ 1892) وهو بالأصل من رهبنة القبر المقدس اليونانية الأورشليمية ثم انتخبه الأورشليمي بطريركاً على أورشليم فاستقال من أنطاكية وكان ذلك عام 1892.
5 ـ كان يوجد أيضاً قسم عربي تولاه وقتئذ المعلم ظاهر خير الله.
6 ـ مطران الناصرة لاحقاً وهو من رهبنة القبر المقدس اليونانية أيضاً.
7 ـ عنيت هذه الجمعية التي تأسست عام 1888 بالشأن العلمي لأبناء الرعية وقد اقتنت مكتبة متميزة وقتئذٍ وجعلت مقرها مدرسة الآسية. وهي أساس جمعية مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الأرثوذكسية الحالية.
8 ـ كالعادة في الكنائس الأرثوذكسية حيث تتم رسامة غير المتزوّج كاهناً وأرشمندريتاً بوقت واحد.
9 ـ أنظر زيارته إلى أنطاكية في كتابنا «زيارة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع إلى أنطاكية والاسكندرونة»
10 ـ جرجي باز مع الإشارة إلى أن والده كان غنياً.
مصادر البحث:
ـ الوثائق البطريركية (مجموعة دمشق، مجموعة أبرشية بيروت، مجموعة أبرشية جبل لبنان)، سيرته بقلم جرجي باز.
ـ الأرج الزاكي في تهاني البطريرك الانطاكي ملاتيوس (أمين ظاهر الله) عام 1899.
الصفحات 1 2

