العلامات
المحسن الكبير المرحوم بند ليمون كوتسوذنديس
19/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
يرتبط هذا المحسن الكبير بذاكرتي الطفولية منذ كنت تلميذا ً صغيرا ً في ” مدرسة القديس يوحنا الدمشقي الابتدائية الأرثوذكسية ” , إذ كان يستهويني ” فرن الرومي” لمالكه علمنا ” بندلي اليوناني”(1) .
كان ملحقا ً بهذا الموقع على الزاوية اليسرى من حارة الصليب الأولى (الحالية) (2) فناء ٌ كبير يوضع فيه حطب الوقود وكان من المشمش ويستجر من الغوطة.
كانت رائحة الخبز الشهية صباح كل يوم تسيل لعابنا نحن تلاميذ المدرسة فيدلف بعضنا إلى الفرن (تبعا ً لما كان يحمله من خرجية بسيطة ) لشراء أما قربانة صغيرة أو سندويشة إفرنجية ساخنة . وكان بندلي يقابلنا بابتسامته اللطيفة الناعمة مرحبا ً بنا بعربية ركيكة ويسألنا عن دروسنا.
كانت متعتنا أن نتفرج على صناعة الخبز الإفرنجي والقربان يقوم بها بندلي بيديه بمساعدة ربيبه (المرحوم ستيفانوس) وبعض الشغيلة ,وكانوا جميعا ً يضعون مآزر بصدرية. وهي على الدوام نظيفة . كانت متعتي شخصيا ً أن كلفتني جدتي لأبي لأخذ صينية الكبة إلى فرن الرومي لخبزها كعادة أهل القصاع(3) (عندما كان حيا ً سكنيا ً ولأهله فقط !!) وكنت أتمنى أن تطول مدة انتظاري لأتفرج على العمل ولأني كنت أحب بندلي وأشعر أنه كان يحبني.
وأحيانا ً عند خروجي من المدرسة في الرابعة بعد الظهر ( كان الدوام المدرسي صباحا ًوبعد الظهر). أجده جالسا ً مع سيدة عجوز وقور / كنت أظنها شقيقته / فيرحبان بي ويسألاني عن دراستي وأهلي لأنه كان صديقاً لأهلي .
وأذكر أن والدتي قامت بتزيين صينية من القمح المسلوق لتقديمها إلى كنيسة الصليب يوم عيد سمعان الشيخ شفيع شقيقي بالمعمودية (الشهيد مروان عام 1982 ) كما طلب منها المرحوم الخوري أيوب سميا
فحملته وجئنا به إلى الكنيسة وكان صباح يوم أحد كعادتنا في الصلاة فاستوقفنا و أخذه من يدي ورش عليه السكر الناعم بشكل كامل ورده إلينا بقوله : “هذه عادتنا نحن في اليونان BON FETE
“.
كَبِرتُ وكَبُرتْ محبة هذا البار عندي وبقيت أتردد عليه في فرنه الجديد بعدما انتقل إلى البناية المقابلة لحارة الصليب وخص الطبقة الأرضية منها فرناً لصنع القربان والكاتو فقط دون الخبز بعدما كبر في السن و تقلص عدد شغيلته.
وذات مرة عند الظهيرة وجدت عنده كاهناً وقوراً ضخم البنية عرفت لاحقاً ومن سياق الحديث أنه الخوري عطية نهري كاهن مرمريتا و كان يقصده بطلب التبرع منه لبناء كنيسة القديس بندليمون في مرمريتا واذكر قول علمنا له بالحرف : ” أنا لست غنياً و ليس عندي مالاً مخزناً , أنا أعمل بيدي الاثنتين ولم يعد عندي إلا شغيل واحد فقط هو يوسف مع ستيفان وأنا لا أدخر المال ولكن أنت عليك أن تزورني في كل مرة تأتي فيها إلى الشام لأعطيك ما جنته يداي من المال, وأطلب من الله أن يعطيني طول العمر والقوة لأبني هذه الكنيسة قبل أن أموت” . فأخذ منه الخوري عطية وقتها ما كان في الجارور وانصرف و هو يدعو له بطول العمر.
1 - الشائع عند العامة في بلاد الشام وتحديدا ًفي دمشق أن لقب الرومي ينصرف إلى اليوناني لذا شاع اسم هذا الفرن باسم “فرن الرومي” وكان هناك من يسميه فرن الإفرنجي ولكن تسمية الرومي غلبت عليه وكان هناك فرن مماثل يقع في منطقة السوق العتيق لمالك أرمني.
2 - كانت حارة الصليب الثانية تقع في موضع امتداد شارع بغداد الحالي وكانت حارة ضيقة تمر بجانب مقر فوج الكشاف الأرثوذكسي (جاورجيوس) وكنيسة الصليب فمخمر الموز.
3 - لعدم وجود أفران في البيوت حيث كانت العائلات تخبز صواني الكبة … و كعك العيد بمخبزه وقتئذ كما كانت الفنادق الكبرى وخاصة في ليلة رأس السنة تقوم بشي الخراف والديك الرومي ّعنده.

