الكاتدرائية المريمية ( كنيسة مريم )

20/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

 

آثارنا المسيحية

الكاتدرائية(1) المريمية ( كنيسة مريم)

 

نبدأ في زاوية آثارنا المسيحية بدراسة موجزة عن الكاتدرائية المريمية على أساس أنها من اقدم المواقع الأثرية ليس في دمشق فحسب بل وفي كل بلاد الشام. 

في التسمية:

مريم اسم السيدة العذراء والدة الإله, وهي الأصل كلمة آرامية وهي صفة مؤنثة بمعنى نقية أو طاهرة. وتعد هذه الكاتدرائية المسماة على اسم والدة الإله من أهم وأجمل المواقع الأثرية المسيحية في دمشق وبلاد الشام ويرتبط تاريخها العريق بتاريخ دمشق اقدم مدن العالم قاطبة إذ يعود تاريخ هذه الكنيسة إلى القرن الأول المسيحي.    

تاريخ تأسيسها :

في القرن الأول المسيحي ظهرت عدة هرطقات وبدع نصرانية منها شيعة المريميين ( أتباع مريم ) حيث يقول هذا المذهب بتأليه مريم العذراء كأحد أفراد العائلة الإلهية المقدسة. وقد رد هذا المذهب على مذهب الشيعة الغنوسية(2) التي لم تقم للعذراء وزناً.

وفي عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير اعترفت الدولة الرومانية لرعاياها بحرية العبادة وأصبح المسيحيون قادرين على إعلان إيمانهم بصراحة من دون التعرض للاضطهاد وظهرت الكنائس علانية بعدما كانت حتى هذا التاريخ في الكهوف والدياميس. عندها أظهر “المريميون” معبدهم الذي كان صغيراً نسبة إلى قلة عددهم وخصصوه لآلهتهم ( مريم العذراء ).

وكانت أول كنيسة أرثوذكسية(3) وقد أوجدها القديس حنانيا الرسول أول أسقف على دمشق في بيته وسماها المؤمنون على اسمه وثمة قول أنها أقيمت فيما بعد في القرن الثاني الميلادي على أنقاض هيكل وثني وكانت على اسم الصليب المقدس وقد جعلها المسيحيون كاتدرائية المدينة ومن الجير ذكره أن أسقف دمشق كان يلي بطريرك إنطاكية من حيث الترتيب الأسقفي.

وفي عام 379م اعتلى الإمبراطور ثيوذوسيوس الكبير عرش القسطنطينية فأمر بالمسيحية ديناً رسمياً للدولة كما أمر بمصادرة أملاك المعابد وبتحويل هذه المعابد إلى كنائس أرثوذكسية تتصاعد فيها الصلوات كالبخور إلى الله عز وجل. ومن هذه المعابد كان معبد حدد الآرامي أي معبد الزهراء أو جوبيتر الدمشقي الروماني ( الجامع الأموي ) الذي تم تحويله إلى كنيسة كبرى على أسم النبي يوحنا المعمدان ووضع فيها رأس القديس يوحنا بعدما استحضره من فلسطين وأقام دار أسقفية دمشق بجانبها فأصبحت هي الكاتدرائية. وفي ذلك الوقت كانت شيعة المريمية قد اندثرت فآلت كنيستهم إلى الأرثوذكس علماً انه كان في دمشق بعض اليعاقبة ( السريان ) وكانوا يعيشون في منطقة الباب الشرقي كما كان مقر أسقفيتهم في دير خارج باب توما.

ومع إطلالة القرن السابع المسيحي احتدم الصراع بين القوتين العظيمتين آنذاك الدولة البيزنطية والدولة الفارسية واستطاع الفرس قهر الروم في كل المعارك وفي عام 614م وبعد حصار دام عشرين يوماً فتح الفرس مدينة القدس وأعملوا السيف في رقاب أهلها فقتلوا عشرات الألوف من المسيحيين وأخذوا عود الصليب المكرم إلى بلاد فارس فخاف الدمشقيون على ذخيرتهم المقدسة (رأس القديس يوحنا المعمدان) فبادروا إلى دفنه في حفرة عميقة في أرض الكاتدرائية بعد أن وضعوه داخل صندوق خشبي ثمين مع كتابة باليونانية تشير إلى صاحب الرأس.

وفي عام 706 وفي عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وأثناء تحويله لكاتدرائية دمشق إلى جامع بني أمية الكبير وبينما العمال يحفرون في أرضيتها عثروا على الصندوق الخشبي وتعرف الوليد على صاحبه ( النبي يحيى ) فأكرمه وأمر بإقامة قبة فخمة فوق ضريحه لا تزال حتى الآن.
————————————————————————–

(1) الكاتدرائية : هي كنيسة السدة الأسقفية.

(2) Gnosis : غنوسيس كلمة يونانية معناها ( المعرفة أو الحكمة ) والغنوسية محاولة فلسفية دينية لتفسير الشر والخلاص منه.

(3) الأرثوذكسية كلمة يونانية مركبة من كلمتين أورثو وذوكسا وتعني الإيمان القويم أو المستقيم وقد اعترفت بالمجامع المسكونية السبعة وبمقرراتها.

الصفحات 1 2 3 4