العلامات
الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي
29/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
استشهاده:
ترك الخوري حبيب دمشق بعد ظهر الخميس 15 تموز 1948 إلى عرنة حيث قضى ليلته في بيت السيد يوسف صليبا، وفي الساعة الخامسة من صباح الجمعة 16 تموز انطلق إلى سفح جبل الشيخ الغربي برحلة علمية رياضية ورياضة روحية للتأمل وحيث توجد آثار قديمة رومانية ويونانية. ويقول الأب الخوري أيوب سميا معاصره: “طلب أن يصعد إلى جبل الشيخ العالي فلم يسمحوا له (آل صليبا) لأنه لم يوجد في ذلك الوقت أحد يصعد معه فقال: إني ذاهب مع المهندسين الحكوميين الموجودين هناك وهم من دائرة تنظيم المدن السورية ومعهم عبدالله يوسف صليبا فذهب معهم إلى عين السنونو التي تبعد عن البلد (عرنة) ربع ساعة جنوباً في الجبل، وهناك بقي المهندسون بينما صعد هو إلى عين جفنة التي تبعد عن عين السنونو غرباً مدة ربع ساعة ومنها وبعد استراحة ثانية صعد إلى مكان يلقب (وعرة الشعارنة) ويبعد خمس دقائق غرباً وبين الجميع طريق خاصة غير مشهورة يسلكها الحطّابون والمهربون وسميت الوعرة لوجود آثار بيوت قديمة خربة كانت مسكونة من بعض أهالي قرية عين الشعراء (عين الشعرا)، وهناك جلس يستريح الإستراحة الثالثة ويبدأ خلوته الروحية وكان يقرأ في الكتاب المقدس وكان موقعه هذا في ثلثي الطريق إلى قرية شبعا في الجنوب اللبناني. وبينما كان يتفيأ بظل صخرة كبيرة مرّت به قافلة من المهربين مؤلفة من عشرة أشخاص اعتادت تهريب الحبوب والقمح على الدواب من سورية من جهة بيت جن إلى شبعا فاستغربوا وجوده هناك وسألوه عن هويته فأجابهم بكل الإيضاحات فظنّوه جاسوس يهودي إلا انه لفت نظرهم إلى ثوبه الكهنوتي فقالوا له :”اننا لم نقتنع بذلك “فطلب منهم توصيله إلى أقرب مخفر درك سوري أو لبناني للتثبت من هويته, لكنهم اقتادوه إلى وادٍ سحيق, ثم نزعوا عنه ثيابه وساقوه عارياً ولما لم يعد يقدر على المشي ضربوه وجروه حتى وصلوا به إلى الأراضي اللبنانية ,وتابعوا تعذيبه حتى لم يبق مكان في جسمه لم يُهشّم. ثم أصعدوه إلى صخرة عالية جداً, وألقوا به إلى الوادي فانكسر عموده الفقري وفاضت روحه الطاهرة إلى بارئها.
وفي أثناء تعذيبه مرّ فتى مسيحي من عرنة واسمه سليم ابراهيم شاهين وعمره 12 سنة من المكان وكانت الساعة الثالثة ظهراً, فنظر أحدهم يحمل الخوري عارياً بشكل مقلوب , فسألهم عنه فقالوا له أنه يهودي. فأسرع إلى عرنة ووصلها في الساعة الخامسة ,فرأى البلدة مضطربة لطول غياب الخوري حبيب فقال لهم عما شاهده فأيقن الجميع انه هو الخوري حبيب, وانه قتل بلا شك. فأسرعوا واعلموا مخفر المنطقة السوري الذي اتصل بدوره بمخفر درك شبعا اللبناني, فتوجهت قوة مشتركة سورية لبنانية إلى المنطقة, وعثرت على جثة الخوري حبيب عارية والدماء تغطيها, والكسور بادية فيها وبالأخص العمود الفقري , فنُقلت الجثة إلى دمشق وسجي في الكاتدرائية المريمية حيث صلى غبطة البطريرك ألكسندروس عليه ورثاه بكلمة أبوية وصفه في مستهلها بالقديس، ثم دُفن في مدفن الكهنة في مقام القديس جاورجيوس في المقبرة الأرثوذكسية.
وقد تعرّف الفتى سليم على الجناة الذين ادّعوا أنهم ظنوه جاسوساً يهودياً ,لأنه كان مختتناً. وقد نظر المجلس العدلي اللبناني في هذه الجريمة وقرر الحكم بالإعدام على المتهم الرئيس فيها المدعو (أحمد علي حسن أبي الحسن) شنقاً حتى الموت.
وقد تظلّم أهالي قرية شبعا لدى رئيس الجمهورية اللبنانية الشيخ بشارة الخوري لتخفيف الحكم وأوضحوا بعدهم عن الطائفية وأن هذه الجريمة لم ترتكب بحق “خوري” بقدر ما ارتكبت بحق “جاسوس يهودي” كما بدا لهم.
إلا أن المجلس العدلي ورئيس الجمهورية أكدا الحكم وصدّقه رئيس الجمهورية ونُفذ الإعدام شنقاً به فجر السبت 25 أيلول 1948 في سجن الرمل ببيروت.
وهكذا تحقق للخوري حبيب ما كان يتمناه وهو السير على درب والده حتى الشهادة فنالها وقد كانت ظروف الحياة لكليهما واحدة كما كانت الوفاة واحدة تحت التعذيب وبعد كسر العظام.
مصادر البحث:
ــ الخوري حبيب خشة شهيد الكنيسة والوطنية.
ــ الوثائق البطريركية أبرشية دمشق ــ بيروت.
ــ سجل جلسات المجلس الملي للقرن الماضي.
ــ د. أسد رستم ج3 كتاب كنيسة انطاكية.
ــ جوزيف زيتون انطاكية عبر التاريخ (قيد الصدور).
ــ روايات شفهية دمشقية من معاصريه.
ــ وثيقة عن استشهاد الخوري حبيب بخط يد الأب المرحوم أيوب سميا.
ــ بعض الصحف السورية واللبنانية تموز آب ايلول 1948 (ألف باء الدمشقية ــ الدنيا البيروتية ــ بيروت ــ الحياة…).
ــ اسبيرو جبور: المرأة في نظر الكنيسة: منشورات مطرانية اللاذقية.
1- أنظره في عدد النشرة (2) ايار 1992.
2- أنظره في عدد النشرة (6) ك1 1992.
3- أنظره في عدد النشرة (1) آذار 1992.
4- أنظره في عدد النشرة (1) ك2 1993.
5- أنظره في عدد النشرة (9) ت1 1993.
6- تشكّل الآن جزءاً من المكتبة البطريركية.
7- أنظرها في كتابنا زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكيةوالاسكندرونة وكيليكيا.
8- أنظر وصفها في المصدرذاته (زيارة البطريرك إغناطيوس الرابع إلى انطاكية).
9- انظرها في كتابنا المصدر ذاته .
10- اسبيرو جبور: المرأة في نظر الكنيسة 1994.
11- شهادات شفهية من معاصريه وجميعهم محبون له .


