الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي

29/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

إلا أن الأعين السرية التي كانت قد رصدت تحركات جرجي كلها دفعت بقومندان مرسين (بهاء الدين) إلى اعتقاله وإخضاعه للتعذيب ليعترف بشركائه فاعترف بهم وكان أولهم الخوري نقولا. وكان بهاء الدين ذا نزعة طورانية (تركية متعصّبة) ذميمة جداً, ويكره الخوري نقولا بشكل خاص لدفاعه عن حقوق الكنيسة ورعايا مرسين المسيحية كلها. لذلك كان فرحه لا يوصف بذلك , فألقى القبض على الخوري نقولا والباقين , وأخضعهم لتعذيب وحشي من جلدٍ بالسياط إلى قلعٍ للأظافر وتكسير للأضلاع.

وكان التعذيب الأكبر من نصيب الخوري , كونه الزعيم ,وقد تمثًّل بعملية تكسير منتظمة لأضلاعه إذ كان جلاّده ضخم الجثة يُلقي بجسمه الثقيل على صدر الخوري نقولا النحيل, وكان الأخير يتمتم بفصول من الكتاب المقدس وهو يتعرض لهذه العذابات والآلام المبرحة حتى فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها بعد أن كسَّرَ الجلاد جمجمته وسط سرور بهاء الدين. أما بقية الموقوفين وكان عددهم 22 شخصاً فقد استمر تعذيبهم حتى دخلت القوات الفرنسية كيليكيا عام 1918 فأُخلي سبيلهم مع انسحاب الأتراك منها.

وجدير ذكره أن فرنسا قلبت ظهر المجن للشريف حسين وخانت عهودها معه, وسلّمت كيليكيا إلى تركيا لتضمن حيادها في أية حرب عالمية مقبلة ضد ألمانيا. فدخلت قوات أتاتورك إليها مجدداً وضمتها إلى تركيا وهجّرت القسم الأعظم من سكانها من عرب وأرمن ويونان, ومنهم مطرانها مثلث الرحمات ملاتيوس قطيني. وكان ذلك في عام 1922 حيث أتبعتها بمذابح جماعية في أزمير والأناضول وماردين أسفرت عن ذبح وتهجير أكثر من مليون عربي ويوناني وأرمني وغيرهم من مسيحيي تركيا.

دفن الخوري الشهيد نقولا خشة في مدفن الكهنة بمقبرة مرسين التي كانت تمتد من غرب الكنيسة حتى شاطئ البحر، إلا أن بلدية مرسين استملكت هذه المقبرة في الأربعينات وشقت فيها شارعاً رئيساً مطلاً على البحر فأندثرت معالمها وضاع معها قبر الخوري نقولا الشهيد. وهذا ما كنا قد حصلنا عليه من شهادات شفهية لبعض المعمرين والمعمرات من مرسين من أبناء رعيتنا الأرثوذكسية أثناء زيارة غبطة مولانا البطريرك إلى مرسين 1992
(9)

الابن الخوري الشهيد حبيب خشة:

مولده ونشأته وكهنوته:

وُلِدَ حبيب نقولا خشة في دمشق عام 1894 وكان البكر في عائلة مؤلفة من ثمانية أولاد. تلقّى علومه الابتدائية والثانوية في مدرسة عينطورة ثم تابع دراسته الجامعية في الجامعة الاميركية في بيروت وتخرّج عام 1914 حائزاً على شهادة بكالوريوس في الآداب. وقبيل الحرب العالمية الأولى انتقلت عائلته إلى مرسين حيث خدم والده ككاهن للرعية هناك كما سلف. وبعد استشهاد والده نزحت الأسرة إلى بورسعيد حيث تزوج هناك من السيدة وديعة توما وهي من عائلة سورية انتقلت إلى مرسين ثم إلى بورسعيد عام 1922.

عمل حبيب في بورسعيد محاسباً ومترجماً لدى شركة (وورز للنفط والتصدير) وذلك ما بين 1922 ــ 1924 رُزق خلالها طفلته “جولييت” ثم انتُدب إلى فرع الشركة في بيروت عام 1924 وخلال فترة وجوده في بيروت رُزق أطفاله الثلاثة: مارسيل وفدوى ونيقولا.

وفي 31/1/1931 استقال من عمله ليدخل سلك الكهنوت وانتقل وعائلته إلى دمشق وبعد معارضة زوجته له أمضى فترة سنة كاملة ثم رسم كاهناًعام 1932 بيد المثلث الرحمات البطريرك ألكسندروس طحان في الكاتدرائية المريمية حيث خدم فيها حتى عام 1935.

رُزق طفلاً خامساً “سليم” في دمشق. وفي عام 1935 توفي ابنه نيقولا إثر مرض مفاجئ وكان في عامه الخامس. إذ ذاك غادر الخوري حبيب دمشق ومعه عائلته إلى بورسعيد حيث خدم فيها ككاهن طيلة عام كامل عاد بعدها إلى دمشق عام 1938 حيث زاول الخدمة في رعية القصاع حتى عام 1940 حيث نُقل إلى القاهرة لرعاية الأرثوذكس السوريين هناك.

بقي الخوري حبيب في القاهرة حتى عام 1943 ثم عاد مجدداً إلى رعيته في دمشق.

الصفحات 1 2 3 4 5