العلامات
الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي
29/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
كان الخوري نقولا واعظاً وخطيباً لامعاً تشهد أرجاء الكاتدرائية لعظاته التي كانت تشد النفوس إلى الله، وكان راعياً حكيماً وشجاعاً بآن واحد في حل المشاكل المستعصية الناشبة بين أفراد الرعية وأهمها ما كان يؤدي إلى خروج البعض من الحظيرة الأرثوذكسية إلى الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية. لذلك أوفده البطريرك ملاتيوس مرات عدة إلى بعض الأبرشيات الانطاكية المترملة (بوفاة مطارنتها) لرأب الصدع وإعادة الأبناء المتغربين إلى كنيستهم. وكان النجاح حليفه على الدوام.
وفي سنة 1908 استعفى المطران ألكسندروس طحان من أبرشيته كيليكيا وهي واقعة الآن في جنوب تركيا وتضم مدن مرسين وطرسوس وأضنة (وكانت وقتئذٍ تابعة للأراضي السورية ) بسبب صعوبة الحياة فيها , وتدنّي وارداتها , والنزاعات الشديدة الحاصلة بين أبناء الكنيسة من عرب ويونان. فوقع اختيار البطريرك غريغوريوس حداد على الخوري نقولا فأوفده إلى هذه الأبرشية منتدباً بطريركياً ووكيلاً حيث جعل مقره في مرسين وكانت حياته فيها سلسلة من الجهاد والعمل الدؤوب فأزال أولاً كل الخلافات من بين أبناء رعيته ووحّد كلمتهم وجذبهم جميعاً إلى الكنيسة ونظراً لحسن علاقاته مع والي مرسين فقد سعى إلى إصلاح الأوقاف وإعادة بناء كنيسة رؤساء الملائكة بشكلها الحالي الجميل(8) وعمّر قبة الجرس وأعاد فتح مدرستي الصبيان والبنات في حرم الكنيسة فأصبح عددهم في المدرستين يربو على 300 تلميذ وتلميذة. كما اهتم بالجمعيات فأنشأ جمعية زهرة العفاف للسيدات حيث أوكل لها أمر العناية بمدرسة البنات فيما انصرف هو إلى إدارة مدرسة الصبيان وتدريس العديد من المواد الدراسية فيها كما عزز دور مجلس ملي مرسين في الكنيسة ولدى السلطات ورعى جمعية مساعدة الفقراء وهم الذين نالوا نصيباً أكبر من اهتماماته.
ولفقيدنا مواقف مشهودة في الدفاع عن حقوق الكنيسة وبقية الرعايا المسيحية الأخرى في المنطقة وخصوصاً عندما بدأت حملات إبادة وتهجير وتطهير عرقي في الأناضول استمرّت منذ عام 1910 وحتى سلخ كيليكيا عن سورية عام 1922 وأسفرت عن استشهاد مئات الألوف من المسيحيين من مختلف الكنائس. وقد اتصف في تلك الفترة بالكرم رغم فقره الشديد والحلم والإرادة الحديدية والحكمة والثبات في المواقف والعطف على المظلوم. ولم ينسَ لطفه ورعايته أولئك المناضلون الذين حكم عليهم ديوان الحرب العرفي في عالية برئاسة السفاح جمال باشا بالنفي إلى كيليكيا في فترة (سفربرلك) وكانوا من الضباط العرب من أبناء دمشق وبيروت وبغداد ومن مختلف الأديان.
استشهاده:
بالنظر لهذه المواقف الوطنية الشجاعة التي ضاق بها صدر السلطات الأمنية التركية راحت هذه السلطات تتحيّن الفُرَص للإيقاع بالخوري نقولا وتم لها ذلك في عام 1917.
كيف تم ذلك؟
في عام 1917 كانت الحرب العالمية الأولى في أواخرها وكانت مساعي الحلفاء والشريف حسين والمواطنين متّحدة للتخلص من النير التركي. قام أحد
أفراد الرعية الأرثوذكسية في مرسين واسمه جرجي بالسفر إلى قبرص والإتصال بقنصل بريطانيا فيها وهو اللورد أبيلا وأخذ منه رسائل إلى عدة أشخاص في مرسين للبدء بمقاومة الأتراك. وعند عودته إلى مرسين اتصل بالخوري نقولا الزعيم المحبوب وأنبأه بما جرى معه فنصحه الخوري بالحذر وقام بحرق الرسائل بوصفها وثائق إدانة مادية بحق جرجي في حال وقوعها بيد الأتراك.

