العلامات
الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي
29/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
الخوري الشهيد نقولا خشة الدمشقي
وابنه الخوري الشهيد حبيب خشة
في زاويتنا هذه المخصصة للتعريف بأعلام الكنيسة الارثوذكسية وما قدّموه من أجلها نسلّط الضوء في بحثنا هذا على اثنين من أولئك الأعلام الأفاضل البسطاء والورعين ,هما كاهنان دمشقيان (أب وابنه) عاشا واستشهدا بعدما قدّما كل ما يمكن للمرء أن يقدّم من أجل نفسه، قدماه من أجل الرعية سواء في دمشق أو في غيرها بنكران ذات وتضحية قل نظيرهما، وتحدثت الألسنة ولا تزال باحترام وتَرَحُمْ عنهما. وقد يتبادر للأذهان في معرض استشهادهما أنهما من العصور المسيحية الأولى زمن الاضطهادات والشهادة لكنهما من مواليد القرن التاسع عشر واستشهدا في القرن العشرين. من هما وكيف كان ذلك؟ وسنبدأ بطبيعة الحال مع الأب الشهيد الخوري نقولا خشة:
وُلِدَ عَلَمنا في دمشق في 31 آب عام 1856 من أبوين تقيين هما يوسف خشة ومريم مقبعة، تلقّى العلم في المدرسة الأرثوذكسية الكبرى (الآسية) ثم تعاطى تجارة الحرير في شبابه إذ كانت تجارة الحرير وحياكته بيد رعية دمشق المسيحية حصراً في القرن الماضي.
منذ طفولته رُبي على حب الكنيسة ونكران الذات والإندفاع من أجلها ولمع نجمه وأضاء في المحاولة الأولى التي سعى بها أبناء الكرسي الانطاكي المقدس منذ الأزمة البلغارية عام 1870 حتى 1885 لإنتخاب بطريرك عربي بعدما كانت السدة الإنطاكية ومنذ 1724 زمن نشوء الكثلكة بين صفوف أبناء الكنيسة الأرثوذكسية خاصة وقفاً على البطاركة اليونان المنتخبين من قبل الكرسي القسطنطيني. ومن أهم أعلام تلك الفترة وهذا النشاط الطيبو الذكر: السيد ديمتري شحادة وكان يُقيم في القسطنطينية (1)، والسيد جرجي مرقص(2) المقيم في موسكو، والمطران ملاتيوس دوماني(3)، والمطران غفرئيل شاتيلا(4)، والشماس جراسيموس مسرة(5). ونظراً لنفاذ كلمة البطاركة لدى السلطات العثمانية آنذاك فقد عانى عَلمنا مع أفراد الجمعية الأرثوذكسية الوطنية الدمشقية بصفته أحد أبرز زعمائها الكثير من المضايقات. لكن ذلك لم يثنه والذين معه عن عزمهم واستمرت الإنتفاضة الوطنية في العشر الأخير من القرن الماضي حتى أثمرت عن تنحي البطريرك اسبريدون وانتخاب مطران اللاذقية ملاتيوس الدوماني بطريركاً إنطاكياً وتثبيته بفَرَمان سلطاني عام 1899.
وكان عَلَمنا السيد نقولا خشة قد تولى رئاسة أو عضوية جمعية المدارس الأرثوذكسية بدمشق وكانت هذه الجمعية المرتبطة بالمجلس الملي تشرف على المدارس الأرثوذكسية في دمشق وهي: الآسية ومدرسة البنات (حالياً ثانوية الياس قدسي خلف الكاتدرائية المريمية) ومدرسة القديس يوحنا الدمشقي في محلة القصاع الناشئة في أواخر القرن الماضي، ومدرسة القديس نيقولاوس الكائنة داخل الصرح البطريركي. ولعب دوراً رئيساً في تطور هذه المدارس وتحديث أساليب الدراسة فيها وتوحيد المناهج المعتمدة في جميعها.
وفي فترة المضايقة الآنف ذكرها انتقل السيد نقولا إلى مصر التي كانت مُلتقى لنخبة المتنورين الشاميين (أرباب القومية العربية) الذين فروا من مضايقات الشرطة العثمانية السرية، وبقي هناك مدة ثمانية أشهر محاولاً تطوير عمله فيها وخصوصاً في التجارة إلا ان النجاح لم يكن حليفه هناك فقرر العودة إلى موطنه دمشق ليجد ان الرعية هناك قد أجمعت على انتخابه كاهناً وراعياً لها. وقد وافق البطريرك ملاتيوس على ذلك فوراً نظراً لما عهده من صفات علمنا فرسمه شماساً في الكاتدرائية المريمية بتاريخ 25 آذار 1900 وكاهناً في 3 حزيران 1900 وكان بالطبع قد تزوّج ورُزِق ولده حبيب وإخوته.
انصرف الخوري نقولا بكل همة وحكمة في خدمة الرعية ورئس مدة طويلة جمعية القديس يوحنا الدمشقي التي كانت تمتلك مكتبة خاصة متميّزة ضمّت موجودات مخطوطة ومطبوعة تُعد الأولى من حيث النوعية والكمية(6) وبكل اللغات بالإضافة إلى وسائل إيضاح تعليمية إذ كانت أولى أهداف هذه الجمعية تطوير العلوم لأبناء الرعية بدمشق. أما موقع هذه الجمعية ومكتبتها فكان في المدرسة الاسية ويمكن تحديدها الآن فوق حرم الطريق الموصل بين مبنى الاسية الحالي ومدرسة الصغار حيث لا تزال بقايا أقواس بارزة من جدار مدرسة الصغار الخارجي الشرقي تدل على ذلك.
كان الخوري نقولا محترماً جداً من الرئاستين الزمنية والروحية ومحبوباً جداً من رعية دمشق , لذلك فإن النجاح كان حليفه في فض الخلافات. وظهر دوره بأجلى بيان عندما أسند له البطريرك ملاتيوس النيابة البطريركية بدمشق عندما زار غبطته عام 1900 بعض أبرشيات الكرسي الإنطاكي في لبنان والأسكندرونة وإنطاكية(7). فقد أظهر مقدرة فائقة في الدفاع عن مصالح الكنيسة لدى السلطات العثمانية أوجبت إحترامها لشخصه. وتولّى أيضاً ولفترة طويلة وكالة دير سيدة صيدنايا البطريركي فتحسنت وارداته وضبطت أموره المالية بفضل زياراته الميدانية المتواترة للدير وتفقده لأوقاف الدير في دمشق وبيروت وغيرها وسعيه لإنشاء أمطوش للدير في دمشق يُخصص كمبيت لراهبات الدير في حال زيارتهن لدمشق. وكان يتابع بشكل دقيق جني المحاصيل من بستان الدير ويُشرف على تخزينها والإتجار بها وسعى لإصلاح الكثير من غرف الدير.

