العلامات
البطريرك غريغوريوس الرابع
27/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
في تلك الزيارات كان الأمير فيصل دائم الاتصال بالبطريرك غريغوريوس بقصد حصوله على الدعم من الرعية الأرثوذكسية لعراقتها وتجذرها في العروبة. لذلك قام البطريرك بتوحيد الصف المسيحي في هذا المسعى وقد تم ذلك عملياً حينما بايع المؤتمر السوري الأول فيصل ملكاً على سورية ربيع عام 1920 وكانت بيعة البطريرك غريغوريوس ورؤساء الطوائف المسيحية في سورية متفردة ونشرت في جريدة العاصمة (الجريدة الرسمية) وكان المقابل وعداً من الملك فيصل بتساوي المسيحيين مع المسلمين في المملكة السورية.
وبعد معركة ميسلون في 20 تموز 1920 واستشهاد البطل يوسف العظمة وزير الحربية ومعظم المجاهدين دخل الفرنسيون إلى دمشق في اليوم ذاته فلم يجد الملك فيصل وحكومته مفراً من مغادرة دمشق إلى شرقي الأردن عن طريق القطار. وفي محطة القدم(2) وكان الوقت مغيباً وقف الملك فيصل ينظر إلى دمشق نظرة الوداع الدامعة متسائلاً عن الجموع الغفيرة التي أيّدته قبيل المؤتمر السوري أين هي الآن إذ ليس من أحد خرج لوداعه. وإذ به يُشاهد من بعيد غباراً كثيفاً من سيارة مقبلة نحوه. وتوقفت السيارة وترجّل منها شيخ وقور كان هو البطريرك غريغوريوس الذي تقدّم من فيصل ومدّ له يده قائلاً: «هذه اليد التي بايعتك قبلاً باقية أبداً على العهد» فدمعت عينا فيصل وانحنى أمام هذا الشيخ الجليل وحاول تقبيل يده(3) لكن عَلَمنا باركه وقبّله بعدما سحب يده متمنعاً.
غريغوريوس والانتداب الفرنسي :
دخل الجنرال غورو إلى دمشق إثر موقعة ميسلون في 20 تموز 1920، وأمر بإقامة حفل استقبال كبير في دار المفوضية الفرنسية (السفارة الفرنسية حالياً في العفيف) احتفالاً بالنصر. ودُعي إلى هذا الحفل كبار الشخصيات الدينية والرسمية والفعاليات. فقام غورو بنفسه وأشرف على توزيع أماكن الجلوس حول المائدة، فأجلس مفتي دمشق عن يمينه والبطريرك غريغوريوس عن يساره، ولم يكن يعرفه إنما كان قد سمع صيته. وعندما دخل البطريرك مدّ غورو يده مصافحاً باحترام متفرساً في وجه هذه الشخصية المتميزة وما قام به خصوصاً في أيام المجاعة وفي تأييد صاحبها لفيصل بالسر والعلن، وكان متيقناً بأن البطريرك ومن ورائه هذه الطائفة العربية لن يكون مؤيداً للانتداب كما يشتهي.
وبالفعل فقد صدق حس غورو إذ أن الكنيسة الأرثوذكسية لم تكن في وقت من الأوقات مؤيّدة للوجود الفرنسي في سورية ولبنان بما في ذلك تلك الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى وفاة البطريرك غريغوريوس عام 1928 التي شهدت أزمات حقيقية بين البطريرك والفرنسيين، إذ أنه كان يُقاوم الانتداب بشتّى الوسائل ويُقدّم المعونات للثوار في الغوطة. وفي أحد الأيام كان أحد رهبانه(4) قد ضلّ طريقه فتوغل في الغوطة واعتقلته المخافر الأمامية للثوار ونقلته إلى قيادتها التي ما ان سمعت انه من أتباع غريغوريوس حتى أوصلته باحترام إلى البطريركية.
كان موقف سلطات الانتداب الدائم هو حرمان أبناء الطائفة الأرثوذكسية من حق التعيين في الدوائر التي تقودها السلطات الفرنسية بعكس الطوائف الأخرى، كما سمح للبعثات التبشيرية الغربية باقتناص أبناء الطائفة الأرثوذكسية مستغلين الحاجة والفقر بعد سنوات القهر والذل أيام الأتراك وباغراءات لا تقاوم لقلب نفوسهم إلى الكثلكة طمعاً بالوظيفة، حتى ان مأموري النفوس ــ وكانوا في معظمهم في الأماكن المسيحية أو ذات الأكثرية المسيحية من الطوائف الغربية ــ كانوا يقومون على تغيير النفوس للكثلكة سراً على القيود التي بحوزتهم وخاصة في مناطق جديدة عرطوز وداريا وقطنا كما تشير الوثائق البطريركية «وثائق أبرشية دمشق» قضاء وادي العجم. لذلك كثُر عدد الموظفين من الطوائف الأخرى في دوائر الانتداب والحكومات المحلية وقلّ عدد الأرثوذكسيين جداً ويمكن وصف الانتداب الفرنسي في هذه الحالة بأنه كان انتداباً كاثوليكياً مستمراً لغزوات الفرنجة في القرنين 11 و12م وللحملات التبشيرية بدءاً من القرن 16 وحتى الآن؟!!
عندما كان بعض الثوار الجهلة يهاجمون بعض القرى المسيحية ويحرقونها كانت سلطات الانتداب تبادر إلى التعويض عنها مباشرة إذا كانت كاثوليكية بعكس ما إذا كانت أرثوذكسيّة تماماً. لا بل إن سلطات الانتداب صادرت المدارس الأرثوذكسية التي سبق للجمعية الامبراطورية الفلسطينية الروسية أن أوجدتها أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي في بلاد الشام إضافة إلى المدارس الأخرى التي بنتها الطائفة الأرثوذكسية وافتتحتها مدارس لها بدون أي تعويض، بينما ازدهرت المدارس الكاثوليكية في فترة الانتداب ازدهاراً عظيماً. وما تبقى من مدارس الطائفة كانت لا تتلقى إلا النذر اليسير من المساعدات المالية التي كانت تمنح لنظيراتها من المدارس الكاثوليكية وظهر خطر مخيف وهو ان سلطات الانتداب دفعت ببعض عناصر الشغب الجاهلة من أبناء الكنيسة الأرثوذكسية فشاغبوا على غريغوريوس واتهموه(5) بالتبذير المالي الذي أوصل الصرح البطريركي إلى واقعه المالي المتردي وقتئذٍ وخاصة بنتيجة الأيام المشؤومة (سفر برلك).
لكن الأخطر عملياً هو سعي سلطات الانتداب خفية لتقسيم الكرسي الانطاكي المقدس إلى قسمين سوري ولبناني «لتفتيت كلمة الأرثوذكس الوطنية بمواجهة الانتداب» واستمرت هذه المحاولة إلى ما بعد وفاة علمنا بالأزمة التي قامت بين السيدين أرسانيوس القائم مقام البطريركي وألكسندروس مطران طرابلس من عام 1928 إلى 1931.
بينما كان المجمع الانطاكي المقدس منعقداً في بلدة سوق الغرب في كانون الأول 1928 ويكاد أن يختتم أعماله، استأثرت رحمة الله بعَلَمنا وهو يقوم بواجباته الرئيسية دون تضجر أو ملل على الرغم من انحراف صحته وضعف بصره. ويروى أنه قال وهو يحتضر: «لقد صبرت حتى النهاية».
كانت وفاته في 12 كانون الأول 1928 فنقل جثمانه بموكب نادر المثال من بلدة سوق الغرب إلى بيروت حيث عرض للتبرك في الكاتدرائية. ثم نقل إلى دمشق على عربة مدفع وانضمت قوافل المشيعين من سائر الأرجاء اللبنانية ومن مختلف الطوائف إلى موكبه. ولدى دخوله من أول شارع بيروت في الربوة انضم إلى موكبه المهيب خمسون ألفاً من المسلمين عدا عن سائر الفعاليات الدينية والاجتماعية الدمشقية ناهيك عن خروج أبناء رعيته عن بكرة أبيهم بمؤسساتهم وجمعياتهم وأفرادهم للمشاركة باستقبال رمزهم وعزتهم. شقّ الموكب طريقه بصعوبة بالغة حتى وصل إلى حديقة الأمة عند جسر فيكتوريا حيث جرى له استقبال رسمي أطلقت فيه المدفعية مائة طلقة وطلقة وقد شارك عن الملك فيصل الذي كان وقتئذ قد اعتلى عرش العراق وفدٌ ملكي تمثّل بكوكبة من خيالة الخيول العربية عدد أفراده مائة فارس.
ومع الدموع والتنهدات وصل جثمان مثلث الرحمات إلى الكاتدرائية المريمية حيث سجي للتبرك ثم دفن في احتفال عز نظيره في مدفن البطاركة في حرم الكاتدرائية المريمية.
إن أشد مشاهد التأثر هي عندما وقف مفتي البقاع أمام تابوته باكياً وصائحاً: «لو أجاز لنا ديننا الاعتراف بنبي بعد محمد لقلت أنت. رضوان الله ورحماته عليكَ يا محمد غريغوريوس» هكذا كان المسلمون يلقبونه!!!
من هذه المشاهد في بيروت عندما رثاه الشيخ مصطفى الغلايني بقوله: «نعيت إلى أمي العجوز نبأً مفاده: لقد أصاب العرب مصاب عميم أليم، فأجابتني: هل مات غريغوريوس؟».
وفي ساحة الشهداء في بيروت ولدى وصول الجثمان إليها شرع أحد التجار المسلمين يرش الطريق أمام الجثمان بالسكاكر والملبس نائحاً وقائلاً: «إن هذا الولي كان قد أعالني أنا وأسرتي طيلة سفر برلك».
وتساءل أحد الأشقاء الموارنة البارزين في لبنان مستغرباً وموجهاً سؤاله لأرثوذكسي من أسرة البطريرك: «أعندكم مثل هذا القديس ولا تطوبونه؟»

