العلامات
البطريرك غريغوريوس الرابع
27/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
وفي ختام الاحتفالات منح القيصر نقولا الثاني البطريرك غريغوريوس النوط الذهبي المضروب لذكرى اليوبيل، ووسام القديس ألكسندر نيفسكي من الرتبة الأولى وهو من أعظم الأوسمة الروسية وقدّم له صليباً مرصعاً بالماس لكي يعلّق على مقدمة اللاطية فوق الجبين.
وكانت هدية البطريرك للقيصر حوالي مائة مخطوطة من المخطوطات البطريركية النادرة منها ما ارتبط بزيارة البطريرك مكاريوس بن الزعيم في القرن 17 إلى روسية وهي محفوظة الآن في مكتبة البطريركية في موسكو وفي متحف الكرملين.
غريغوريوس ومأساة (سفر برلك) :
بدأت الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1918) بمصرع ولي عهد النمسا وقرينته في سيراييغو عاصمة البوسنة على يد صربي فأعلنت النمسا الحرب على صربية ودخلت تركية الحرب إلى جانب ألمانية والنمسا وتولّى الاتحاديون (جمال وأنور ونيازي) السلطة وطغت سياسة التتريك والقمع ولما لم يروا في المسيحيين مادة سهلة القياد، ذبحوا الأرمن ونال السريان واليونان نصيبٌ وافر من المنكرات عام 1915 فبلغ عدد ضحايا المذبحة من الأرمن حوالي مليون ونصف المليون علماً بأن هذه المذبحة كانت قد سبقتها مذبحة مماثلة عام 1885 بتدبير السلطان «الأحمر» عبد الحميد.
وانتشرت المجاعة في سورية ولبنان لأن الأتراك وضعوا أيديهم على الغلال وصدّروها إلى ألمانية والنمسا وساهم الجراد بالقضاء على الأخضر واليابس فقلّت المواد الغذائية وارتفعت أسعارها بجنون.
قرع المحتاجون باب البطريركية استدراراً للشفقة فكان عَلَمنا حنوناً كما توقعوا ففتح باب البطريركية الكبير والقديم على مصراعيه لدخول قوافل الغلال التي كانت البطريركية تتسوقها من حوران خصيصاً وكانت الجمال المحملة بها تحط في صحن البطريركية ويبدأ على الفور إنزال الغلال إلى الطحن ومن ثم إلى الفرن الذي كان في البطريركية لإطعام الناس.
وقد وقعت البطريركية تحت عجز كبير فاق 25 ألف ذهبية عدا عما كان يرسله المغتربون إلى غبطته شخصياً ليوزّعه على المحتاجين وعلى ذويهم. ولم يرَ جمال باشا وأعوانه أكرم خلقاً من غريغوريوس ولا أنبل فطرة ولا أطيب عنصراً ولا أخلص جوهراً فاحترموه وسهّلوا أموره وبادلهم الاخلاص والاحترام، إنما لم يخضع لهم ولم يكن لهم مطواعاً، فلمّا طغى حسن حسني رئيس شعبة أخذ العسكر في بيروت وتجبّر قاومه في ذلك مطران بيروت جراسيموس مسرة فطلب الوالي تبعاً لذلك من البطريرك عزل جراسيموس إلا أن عَلَمنا امتنع ونبذ الأمر وراء ظهره.
وقد قيل الكثير عن موقف عَلَمنا الانساني الرائع في هذه المحنة الرهيبة التي عصفت بالعباد وبالبلاد. قديسنا عوّد نفسه محبة جميع الناس كأسرة واحدة بلا استثناء، فقامت مساء أحد مرفع الجبن قبل الصوم الكبير في الحرب الكونية الأولى مجموعةٌ من النسوة المسلمات بدمشق بمظاهرة يشتكين فيها من الجوع وترامين على قدميه وهو في عربته، فأمر سائقه بالعودة إلى دار البطريركية حيث اختلى بنفسه في غرفته وركع مصلياً من الساعة 4.00 بعد الظهر حتى الساعة 11.00 ليلاً. وأبصر «سفره جي» البطريركية غرفة البطريرك مضاءة فطرق بابها سائلاً إن كان يرغب بالعشاء ليقلي له بيضتين مع رغيف وقطعة حلوى. لكن البطريرك امتنع بقوله: «أطعِم ذلك لأول فقير يمر صباح غدٍ بقربنا، أما أنا فيكفيني نصف رغيف مع قليل من الملح والزعتر البري».
ونظراً لتحوّل دار البطريركية إلى مقصد للجائعين من كل الأديان فقد شحّت المؤن فيها. وصادف وقتئذ ان مسلماً ومعه أسرته حاولوا الدخول كالعادة لتناول الطعام، فاستوقفهم قواص البطريرك يسألهم ما يريدون. فأجابه الرجل: «نريد أن نأكل»، وردّ القوّاص: «إن ما تبقى من الخبز لدينا لا يكاد يكفي أولادنا» وصادف وقتئذ وقوف البطريرك في شرفته بحيث استمع الحديث الدائر بينهما، فصرخ في الحال على قواصه ونهاه عن فعل ذلك وطلب منه رغيفاً فأحضره له القواص. عندها قال له البطريرك: «انظر إلى هذا الرغيف من وجهيه هل تجد أن فيه وجهاً يختلف عن الآخر أم أن كليهما خبز؟ إن الله خلق الجميع كرغيف الخبز هذا. ثم أدخلهم إلى الداخل وأطعمهم. وزاد البطريرك على ذلك بأن منح الرجل ليرتين ذهبيتين كانتا في جيب قنبازه.
وكما سبق القول فإن القيصر الروسي نيقولا كان قد أهداه صليباً مرصعاً بالماس(1) ليزين به مقدمة قلنسوته. فعندما ضاقت الأحوال بالبطريركية نتيجة محنة العباد قام بِرَهن هذا الصليب على مبلغ ألف ليرة عثمانية عند صائغ يهودي عرضه في واجهته في سوق الصاغة بدمشق. واتفق مرور غني دمشقي من أعيان المسلمين فيها بجانب الدكان، فأبصر الصليب في هذه الواجهة واستوضح اليهودي عنه، ولما عرف سبب وجوده معروضاً في واجهته دفع له مبلغ الرهن واسترد الصليب وتوجّه حالاً إلى البطريركية حيث قدّمه للبطريرك (وكان صديقه) قائلاً: «أوهل يليق بغير البطريرك غريغوريوس أن يزين جبهته بهذا الصليب؟».
عَلَمَنا والملك فيصل :
كان الأمير فيصل بن الشريف حسين أمير مكة يهيء الأجواء في دمشق لقيام الثورة ضد الأتراك بقيادة والده وبالتعاون مع الحلفاء وخاصة بعد حكم جمال السفاح على قوافل الوطنيين بالاعدام في ديوان الحرب العرفي في عاليه، وكانت آخر القوافل قافلة شهداء 6 أيار 1916 في بيروت ودمشق إذ أُعدم في بيروت 14 مناضلاً وفي دمشق 7 مناضلين. وكان الأمير في ضيافة آل البكري في مزرعتهم في ضاحية القابون وكان يحتسي القهوة فجر 6 أيار 1916 في الحديقة حين أُعلم بالخبر وصاح صيحته المشهورة «طاب الموت يا عرب» وانطلق خفية إلى الحجاز.

