البطريرك غريغوريوس الرابع

27/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

صفاته    :

كان ورعاً، وديعاً، طاهر القلب، واعظاً بليغاً، وأباً حنوناً محباً للجميع. وكان ضليعاً بالعربية من صرفها ونحوها وبيانها وعروضها. وبالرياضيات والمنطق، وبالعلوم الشرعية من فقه وميراث وغير ذلك وقد غدا حجة عصره في ذلك كما تشير الوثائق البطريركية المتمثلة برسائل الأسئلة وأجوبته عليها.

كان ملماً باليونانية والتركية والروسية مطّلعاً على العبرية والسريانية والفرنسية والانكليزية. اتصف بولعه بالبحث عن نوادر المخطوطات، ولذلك وتنفيذاً لرغبته توجه المؤرخ والأديب عيسى المعلوف إلى بعض أرجاء الكرسي الانطاكي وتحديداً إلى «حلب» للبحث عنها كما تشير رسائله إلى غبطته في عام 1912، واقتنى الكثير منها وأودعها الصرح البطريركي. وكان يحب المطالعة وخاصة «نهج البلاغة» لعلي بن أبي طالب.

سيرته ومآثره    :

مهما تكلمنا عن مآثره فلن نفيه حقه لما قام به من مكارم الأخلاق وإغاثة الملهوف متخذاً له شعاراً الآية 26 من سفر الأحبار من الفصل العشرين «وكونوا قديسين لأني قدوس أنا الرب وقد فرزتكم من الأمم لتكونوا لي».

وكان دوماً يردد الآية: «وحسب التلميذ أن يكون كمعلمه» (متى25: 10) إذن حاول التشبّه بالمعلم الإلهي الرب يسوع.

وإيماناً منه بضرورة نهضة أنطاكية وإكليروسها للوقوف في وجه تغلغل الميول الغربية التي كانت تتحذلق بحلاوة اللسان قائلة: «نحن واحد في المسيح» وتحاول الانتشار بجميع الوسائل والإغراءات تصطاد بها الفقراء والضعفاء، بادر إلى رفع شأن الاكليروس البطريركي عبر خطين متلازمين: 1ــ ترقيتهم علمياً ولاهوتياً عن طريق مدرسة مار نقولا بدمشق (وكانت في الجهة الغربية من الصرح البطريركي) وبالاهتمام بالبلمند كرمز لاهوتي لأنطاكية عبر التاريخ. 2ــ السهر عليهم روحياً حتى انه كان بنفسه يطوف عليهم في القلاية البطريركية عند الفجر ليوقظهم لأداء الصلاة الباكرية معاً.

ولتأمين الكتب اللازمة في نهجه، كان لا بد له من اقتناء مطبعة في دار البطريركية، فاقتناها وأوكل أمر إدارتها للشماس توما ديبو المعلوف وطبع فيها مجلة «النعمة» التي استحصل على فرمان سلطاني لإصدارها وغايته منها نشر حقائق الايمان وبث روح المحبة واحياء الرجاء. وبذا تحقق، ولو بتاريخ متأخر، حلم قديس دمشق الشهيد يوسف الدمشقي المتمثل بإيجاد مطبعة.

وإيماناً منه بأهمية الدور الرعوي الملقى على كاهله كربان للسفينة الانطاكية المحاطة بخضم هائل من الاستلاب والاحتواء، جال جولة رعائية تفقد فيها أبناءه في أبرشية حوران وعرنة ومجدل شمس وأعاد إلى الحظيرة الأرثوذكسية الكثير من خرافها التي شرّدت وتغرّبت. ثم زار الأبرشية المعذبة الثانية صور وصيدا فأنشأ فيها عدة مدارس وساعد جمعياتها الخيرية وأعاد بعضاً من المتغربين عنها. ثم تابع جولته في زحلة فبيروت حيث جرت له استقبالات عظيمة، وخص الجامعة الاميركية (مدرسته الأولى) بزيارة لقي فيها ما لا يوصف من الترحاب واعتلى منصة الخطابة وألقى عظةً رائعة شدّد فيها على المحبة المسيحية. هناك دُفع إليه بالانجيل في اللحظة التي انقطع فيها التيار الكهربائي، فانطلقت صيحته المأثورة: «لقد ظهر نور الانجيل فاستترت أمامه جميع الأنوار» وصفّق الحضور بشدة. وللحال عيّن رئيس الجامعة الاميركية منحة سنوية مجانية لعشرة شمامسة من الكرسي الانطاكي.

ثم زار أبرشية جبل لبنان ومنها إلى طرابلس في 13 آذار 1912 عن طريق بيروت وعلى مقهى المركب الروسي البرنسيس أوجيني حيث بلغت احتفالات المدينة بقدومه ذروتها تكريماً لراعيها الذي رعاها بكل محبة ولم تعرف يوماً مشكلة معه أو بسببه. ثم عاد إلى دمشق بعد أن حقّق ما كان يرجوه من تلك الجولة.

زيارته إلى روسية :

في عام 1913، لبّى دعوة القيصر الروسي نقولا الثاني ليرأس احتفالات آل رومانوف بمرور ثلاثة قرون على اعتلائهم عرش روسيا وسافرا بحراً فجر السبت 9 شباط 1913 من ميناء بيروت على ظهر الباخرة توفيقة وبمعيته مطران طرابلس الكسندروس متجهاً إلى اسطنبول حيث حل فيها ضيفاً على الحكومة العثمانية وقابل على التوالي الصدر الأعظم ثم السلطان محمد رشاد وبمعيته وفده المكوّن من مطران طرابلس والحاجة سوسان شقيقة غبطته والوكيل البطريركي بالاستانة الخواجة كمال قزح وقد منح السلطان عَلَمنا الوسام العثماني المرصع، والمجيدي الثاني لمطران طرابلس، ووسام الشفقة الثاني للحاجة سوسان والعثماني الثالث لكمال قزح. ثم تابع سفره إلى روسية حيث وصل بطرسبرج وقابل القيصر والقيصرتين وولي العهد وقد نزل القيصر عن عرشه لدى دخوله البلاط وانحنى أمام البطريرك فباركه البطريرك وقبله في كتفه. أما القيصر فقبّل رأس البطريرك أولاً ثم يده اليمنى. ثم احتفل البطريرك باليويبل في كاتدرائية سيدة قازان الأحد 6 آذار 1913 وقرأ الانجيل بالعربية. ورقى الارشمندريت ألكسي إلى رتبة الأسقفية (وقد تولّى المذكور البطريركية الروسية لاحقاً).

الصفحات 1 2 3 4 5