العلامات
الأيقونة الدمشقية
05/02/2009 بقلم: د.جوزيف زيتون
الأيقونة الدمشقية
-لابد لنا هنا من أن نعود من الخاص الى العام، أي الى الأيقونة السورية ، المعروفة ايضا” ” الأيقونة الملكية ”
التي نشأت في بلاد الشام ،واستمدت جذورها من فن هذه المنطقة بأجناسها وحضاراتها المتعاقبة ،والتي تعود الى الجذور الانسانية الأولى في بلاد الشام .
_ وعندما نتحدث عن سورية ، أوبلاد الشام ،فان هذا الموقع الجغرافي الوسيط في العالم هو من أهم الأسباب التي جذبت الأقوام المتعاقبة على هذه الأرض منذالألف الثالثة قبل الميلاد ،فتأثرت سورية بالحضارات المختلفة لهذه الشعوب، وكان لحكم الدولة السلوقية ( الهلنستية أو اليونانية – الشرقية: 312 ق.م – 64 ق.م ) أثر عميق في تفاعل الحضارتين الاغريقية والهلنستية .
في العام 63 ق.م احتل الرومان سورية ،وقضوا على الدولة الهلنستية ، فازدهرت تحت الحكم الروماني ، وشهد الجزء الجنوبي منها نشوء االمسيحية ،خلال تلك الفترة .وعندما تولى الأمبراطور قسطنطين الكبير عرش الأمراطورية الرومانية ،نشأت الدولة الرومانية الشرقية ( البيزنطية أوالرومية ) العام 313 مسيحية ، وأعلن تاريخئذ حرية العبادة في الدولة ، عندها زالت الاضطهادات الدامية بحق المسيحيين والتي ادت الى ازهاق ارواح ملايين المسيحيين خلال القرون الثلاثة الأولى ن فازدهرت الفنون المسيحية تبعا” لحرية المعتقد،ونشأ فن الأيقونة ، وتأثر بالبيئات الناشئة فيها هذه الفنون ، التي دعيت بالمدارس الفنية للأيقونات : الرومية أو البيزنطية – السريانية – القبطية – الحبشية – الأرمنية – وأيقونات عصر النهضة في أوربة… ومع التطور نشأت في بلاد الشام ” الأيقونة السورية “أو الأيقونة الملكية .
تعريف الأيقونة :
الأيقونة كلمة يونانية معناها الصورة ،أو الرسم . وتستعمل مسيحيا”كمصطلح يشير الى الصورة المقدسة .
تاريخ الأيقونة :
كما أسلفنا ،فان الأيقونة أصلا” وعامة هي من صنع الشرقيين .وقد مارس فن الأيقونة الشرق المسيحي برمته في كنائسه العديدة ، فانتشر منذ فجر المسيحية .الا أن التاريخ الفعلي للأيقونة كان قد بدأ في ظل حكم الأمراطور يوستنيانوس /527 -565 مسيحية/المعروف عنه حبه للفن وتشجيعه للفنانين ،فنشط في عهده فن الأيقونة وامتلأت الكنائس والأديرة بالأيقونات بأنواعها (الفسيفسائية –والجداريات /الفريسك/والخشبية والقماشية …الخ )
واستمر نشاط الفنانين في تطور ملحوظ في بلاد المشرق حتى العام 726 م،وهو بدء تاريخ محاربة الايقونات ، فانحسر فن الأيقونة وتوقف .
- من ذلك يتضح ، أنه في القرنين السادس والسابع ومطلع الثامن شاع تكريم الأيقونات ،وفاخرت الرها (الجزيرة السورية العليا) بالصورة التي ارسلها الرب يسوع الى ملك الرها الأبجر ،كذلك فاخرت بالمنديل الذي انطبع عليه وجه الرب يسوع في درب الآلام والدم يغطي وجهه الكريم من اكليل الشوك على جبينه.
وقداعتبر هذان الرسمان اول وأقدس ايقونتين ،لأنهما لم يصورا بيد بشرية بل من الرب يسوع ذاته .
كما اشتهرت صورة السيد المسيح طفلا” محمولا”من أمه السيدة العذراء مريم ، وقد رسمها القديس لوقا الانجيلي وقدمها لوالدة الاله ، فأقرته عليها عندها رسم أيقونتين مماثلتين عنها ،احاها محفوظة في مقام الشاغورة بدير سيدة صيدنايا البطريركي ،والثانية موجودة في أحد اديرة جبل آثوس المقدس /اليونان/ (1) .وقد كانت في القدس ونقلتها الأمبراطورة بلشيرية الى القسطنطينية العاصمة ،ثم نقلت الى جبل آثوس مع الكثير من الذخائر المقدسة والأيقونات أثناء حصار القسطنطينية وقبيل سقوطها بيد السلطان العثماني محمد الفاتح عام 1453 مسيحية .
-وتوجد ايقونات مماثلة و تعود الى القرون المسيحية الزاهية الأولى محفوظة حاليا”في دير القديسة كاترين في سيناء .
كما نقلت حملات الفرنج الغازية (2) عشرات مثلها مع مخطوطات كنسية نادرة الى متاحف اوربة وأديرتها التي تحول بعضها الى جامعات/ أصبحت عريقة/أمثال جامعة اوكسفورد …وهي محفوظة الآن في متاحف المانيا وفرنسا وايطاليا ،وقد استمر نقلها بكثافة خلال القرون الخمسة الأخيرةمع اعداد هائلة من المخطوطات بكافة انواعها وموضوعاتها من قبل حملات التبشير اللاتينية والبروتستانتية من الشرق وبلاد الشام خصوصا”، وتحديدا”من حلب ودمشق، الى اوربة ،واتم المستشرقون وحملات التنقيب عن الآثار وخاصة زمن الانتداب الفرنسي والانكليزي على بلاد الشام استلاب مابقي منها . كما توجد بعض الأيقونات السورية والمخطوطات في متاحف روسيا : كييف والكرملين وبطرسبرج ….
جميع هذه الأيقونات مزجت الوانها بشمع العسل لحمايتها من الرطوبة والتلف ، وقد ظهرت فيها العينان جاحظتين وكأنهما تنظان من دار البقاء و الخلود .
-ومنذ القرن الثالث ،كان لفن الأيقونة مؤيدون ومناوئون . واستفحل الخلاف بين الفريقين حتى تفجر في مطلع القرن الثامن المسيحي . وساعدعلى اذكاء هذا الخلاف في الأمبراطورية البيزنطية تأثرها بالاسلام المجاور لها في بلاد الشام في طور الخلافة الأموية ،الذي يحرم تصوير الأحياء. وكان أن بعض الخلفاء الأمويين مثل عبد الملك بن مروان ، أمر بتحطيم كل الصلبان والأيقونات المنتشرة في بلاد الشام وفي فلسطين تحديدا”، وحذا يزيد الثاني حذوه (3) فاقتدى الأمبراطور البيزنطي لاون بهؤلاء فأصدر مرسومه الشهير ضد الأيقونات ومكرميها .ودامت الحرب هذه بضراوة على الأيقونات واتباعها في آسيا الصغرى من قبل الدولة البيزنطية ، وفي بلاد الشام وخاصة الواقعة منها تحت الحكم الاسلامي ،طيلة قرن من الزمن فحطمت الأيقونات والصلبان المقدسة، وشرد الرهبان الحامون لها ، ونكل بهم الى درجة القتل( وخاصة في الدولة البيزنطية). وكانت النتيجة اتلاف معظم روائع الأيقونات في تلك الحقبة .(4) على أنها عودة الى عبادة الأوثان.
توقف هذا الاضطهاد في الدولة البيزنطيةبقرارمجمع نيقية المسكوني(5) وبعناية الأمبراطورة ايريني المناصرة للأيقونات، فأعيد اعتبار الأيقونات وحدد مفهوم السجود لها وتقبيلها على أنه اكرام لمن تمثل (الرب يسوع ،والدة الاله ،القديسون …) وليس عبادة للايقونة أوللمادة التي صنعت منها او رسمت فيها …فالتعبد هو لله وحده ،ولكن الاكرام واجب لقديسيه المصورين في الأيقونات ، فأعيد الاعتبار للفن التصويري المقدس وعاد الى الوجود متقدما”.

