العلامات
الأناجيل المنحولة
28/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
رسالة الرسل وتعود إلى القرن الثاني وهي بالغة الأهمية على الصعيدين اللاهوتي والتاريخي لأنها تعكس كالمرآة معتقد المسيحيين الأوائل في ألوهية السيد وسيرته وتعاليمه.
رسالة برنابا التي عَثر عليها سنة 1859 العالِم الألماني تيشندروف في المخطوط السينائي الشهير، مما يشير إلى أنها كانت في الكنيسة الأولى، تعتبر فترة من الزمن، جزءاً من الكتاب المقدس. إلا أنه ليس فيها ما يشير إلى أنها من وضع الرسول برنابا. وكان أول مَن نسبها إليه اكليمنضوس الاسكندري في منتصف القرن الميلادي الثاني. وهو يدعو فيها إلى التحرر من وصاية اليهودية على المسيحية، ويشدّد على ضرورة إتباع طريق النور والمحبة والتضحية التي خطّها المسيح لأتباعه. ولكنه، إلى ذلك، لا يبدو أنه تحرّر كلياً من بعض التبعية لليهودية وبدعة الغنوصية معاً. ومهما كانت رؤيا يوحنا المعتمدة بمنأى عن منافسة بعض الكتب المنحولة الأخرى، مثلها في ذلك مثل سائر أسفار العهد الجديد، فقد ظهرت مجموعة منحولة تحمل هي أيضاً اسم «الرؤيا»، لكنها لم تضم إلا كتابين هما:
رؤيا بطرس وتعود إلى القرن الثاني الميلادي، عُثر عليها في مصر سنة 1886 وهي تمجّد عودة المسيح الثانية ديّاناً للبشر، وتصف أهوال العذاب في الجحيم، وطيب الإقامة في النعيم..
رؤيا بولس وتعود إلى القرن الثالث الميلادي، وهي تروي بتفصيل حادث انخطاف روحي حصل لبولس وأشار هو إليه إشارة عابرة في رسالته الثانية إلى الكورنثيين (12: 2) ثم تسرد جولة قام بها برفقة ملاك ما بين السماء والجحيم وقد كان لهذه الرؤيا أثر ضخم في القرون الوسطى كما يعترف لها النقاد بفضل كبير على دانتي شاعر الكوميديا الإلهية.
ماذا كان موقف الكنيسة من هذه الموجة الطاغية من الأدب المنحول؟
كان من الصعب على الكنيسة الناشئة أن تتخذ من هذه المؤلفات موقفاً رسمياً حازماً وشاملاً، لذا حصل ثمة تردد وتحفّظ في شأنها، وكان على الإحساس المسيحي العام وحده أن يقرّر مأخذه عليها، وامتدّ التردد الذي أحاط برؤيا القديس يوحنا إلى منتصف القرن الرابع الميلادي، حتى أجمعت الكنيسة فأُدرجت في قائمة أسفار العهد الجديد وكانت خاتمتها.
يتضمن من ذلك أن قبول أسفار العهد الجديد في الكنيسة ــ كما نعرف ــ لم يكن وليد وحي إلهي أو قرار كنسي أو استفتاء شعبي، إنما كان حصيلة إيمان عاشه المسيحيون الأوائل، في مختلف أبعاده الروحية واللاهوتية والفكرية والاجتماعية، بأمانة ونزاهة ومحاورات فكرية ومنازعات عقائدية واضطهادات متكررة زادتهم رسوخاً في أمانتهم ونزاهة في بحثهم.
كان من الطبيعي، بل من الضروري أن تسبق مرحلة التبلور هذه مراحل تردد وتحيّز، إلا أن الاتجاه العام في الكنيسة كان شديد القسوة في حكمه على الكتب المنحولة، وكان أكثر المفكرين الأولين قسوة عليها ايرونيموس الفلسطيني الذي عاش في القرن الخامس، وكان ينعتها «بأضغاث أحلام مريضة».
يقول رينان (وكان إلى فترة أكثر النقاد والمؤرخين تحاملا على المسيحية) في الأناجيل المنحولة: «إن الأناجيل المنحولة ليست إلا تحريفاً مضخماً وسخيفاً وصبيانياً للإنجيل الرسمي، وإنه لمنتهى التطاول على الأدب المسيحي أن توضع هذه المؤلفات التافهة على قدم المساواة مع الروائع الأدبية لكل من مرقس ولوقا ومتى. كما أنه يستحيل تصوّر ما هو أكثر سخفاً وهزالاً منها.
() الغنوصية بدعة نشأت في القرنين الميلادي الثاني والثالث، وهي أنظمة فكريّة تخلط مذاهب يهودية أو وثنية بالعقائد المسيحية أفسدت روح المسيحية، إذ اعترفت بثنائية تطابق بين الشرّ والخير (بين الجسد والروح) تأخذ بها نخبة من العارفين الذين يعترفون بالمعرفة السريّة بأنهم ينتمون إلى عالم آخر.

