العلامات
الأناجيل المنحولة
28/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
الأناجيل المنحولة
مقدمة في الإنجيل ــ المصطلح والواقع
إن كلمة إنجيل ايوانجليون اليونانية تعني البشرى أو البشارة أي الخبر السار، وتدل في العرف المسيحي على البشارة التي حملها الرب يسوع إلى الناس، إذ جاء ليخلّصهم من الخطيئة وينشئ ملكوت الله في الأرض. إلى هذا المعنى كذلك أشار الملاك بقوله للرعاة في ليلة الميلاد: «لا تخافوا! ها أنا أبشركم بخبرٍ عظيم يفرح له كل الشعب: وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الربّ» (لوقا2: 10).
من الثابت أن يسوع المسيح لم يكتب شيئاً ولم يترك للناس من بعده كتاباً أوحي به إليه من السماء، بل ترك ذاته بين الناس ــ سيرةً وتعليماً وحياةً… بشرى محبة الله للناس وقدوة في محبة الناس لله وللناس.
يشمل إنجيل الرب يسوع، هذا الذي يحمل البشرى الإلهية، ميلاده ومعجزاته وتعليمه، وأعماله وآلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء التي سُميّت الكتب الأربعة التي دوّن ما فيها متى ومرقس ولوقا ويوحنا بإنجيل يسوع وبالعربية البشير. فالإنجيل ليسوع وجوهره واحد، وهو انه خلص الناس من الخطيئة، وإن كانت له أربع روايات لا تختلف إلا في العرض، كالإنشاء والأسلوب والترتيب: فيها ما ذكره الأربعة، وفيها ما ذكره ثلاثة منهم، وفيها ما انفرد بذكره واحد منهم. مرّت كلمة الإنجيل في استعمالها التاريخي بثلاث مراحل:
1ــ في كتابات المؤلّفين اليونانيين القدامى، وكانت تعني المكافأة على نقل أخبار طيبة.
2ــ في كتابات المؤلفين اليونانيين المتأخرين، وأضحت تعني الأخبار الطيبة فقهيا.
3ــ وأخيراً في مدلولها الحالي للرب يسوع.
على أن الإنجيل ليس مجرد كتاب يتضمن أعمال السيد وأقواله، بل «هو قوة الله لخلاص كلّ مَن آمن (رومية1: 16) وبالإضافة إلى هذا، فقد استعملت كلمة (سر) أو (أسرار) كمرادف للإنجيل حيث يقول بولس الرسول: «فليعتبرنا الناس خدماً للمسيح ووكلاء أسرار الله» (1كور4: 1).
حمل الرسل هذا السر أو هذه الأسرار، هذه القوة الخلاصية وبشّروا بها جميع الأمم على قول يوحنا: «الذي كان من البدء، الذي سمعناه بآذاننا ورأيناه بعيوننا، الذي تأملناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة» (1يوحنا1: 1) واجتاحوا العالم المعروف، على قلّة عددهم الضئيلة، ولمّا يمض على حملهم الأمانة عشرون عاماً، دون أن يكونوا بحاجة إلى سجلات تذكرهم بيسوع وسيرته وتعاليمه، إذ كانوا ما زالوا مغمورين بحضوره وصورته، بصوته وكلامه ومعجزاته، فلم يدوّنوا شيئاً، بل كانوا هم الإنجيل المنطوق.
منذ بدء اجتياحهم العالم وحتى استشهاد أوّلهم (أو بعضهم) زرعوا جماعات من معتنقي هذه البشرى في القدس وسائر فلسطين، في دمشق وفي انطاكية، ومنها في كل العالم شمالاً وشرقاً… وما لبثت أن نشأت أسقفيات ومراكز أسقفية. عند ذاك برزت ضرورة تدوين البشرى بشكل موثوق لا يرقى إليه الشك ولا يحرَّف ولا ينال منه الزمن، سيما وان شهود البشرى كانوا لا يزالون على قيد الحياة. هكذا دوّن الشهود الأربعة البشارة الواحدة برواياتها الأربع بكل أمانة ودقة رغم تقدمهم بالسن ورغم التأثيرات الدينية الوثنية، أو الحزبية الإقليمية، أو العصبية اليهودية المتزمتة التي كانوا يخضعون إليها، فجاءت هذه الروايات وفق ما يلائم المعطيات الذهنيّة والدينية والفكرية والاجتماعية لمختلف البيئات المعروفة آنذاك من يهودية ويونانية ورومانية وعربية وقبطية….
سنستعرض في موضوع مستقلّ روايات البشرى الأربع حسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وقبل أن ننتقل إلى تحليل الإنجيل المنحول المسمّى «إنجيل برنابا» ــ الذي سنعالجه في موضوع مستقلّ ــ يجدر بنا أن ننوّه إلى أن متّى ويوحنا استقيا معلوماتهما من يسوع مباشرةً، لأنهما كانا من الرسل الأولين، فيما استقى مرقس ولوقا معلوماتهما من مريم العذراء ومن هامتي الرسل، هذا من بولس، وذاك من بطرس، وكانا بمثابة أميني سر لهما ورفيقي طريق.
الأناجيل المنحولة
منذ العصور القديمة، ترافقت كبريات الحركات الفكرية والدينية والأدبية بظاهرة الأدب المنحول. وما كانت المسيحية، بعيد ظهورها وانتشارها، بمنأى عن بروز مثل هذه الظاهرة في صميمها، فانتشرت، هنا وهناك في حوض المتوسط، ومنذ أواخر القرن المسيحي الثاني، مؤلّفات كثيرة نسبت إلى هذا أو ذاك من الرسل الأولين.


