الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية

17/12/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

الطائف:

كان فيها نفر من الموالي النصارى منهم عداس النينوي الأصل، وكان مملوكاً لعغتبة بن ربيعة، وقد قابل االرسول عند ذهابه الى ثقيف. (34) اما اليمامة وقد عدها ياقوت من نجد وسماها جواً ( في معجم البلدان)فقد دخلتها النصرانية، ووصلت الى حكامها، ونستدل من شعر للاعشى يمدح فيه (هوذه بن علي) حاكمها الذي منّ على الشاعر ففك وثاق قوم من تميم يوم الفصح تقرباًلالهه: بهم تقرب يوم الفصح ضاحية يرجو الاله بماسدى وما صنعا (35)

أما منطفة الخليج العربي فان النصرانية دخلتها من الشمال الى الحيرة، ومن البحر من تجار الروم ، فوجدت سبيلآً الى البحرين وقطر وهجر وبعض جزر الخليج. وكانت على المذهب النسطوري. وهناك دليل على مدى التأثير الديني التوحيدي في مكة، وهو ما رسم على جدران الكعبة من الداخل، من صور الأنبياء والملائكة الذين يذكر الكتّاب قصصهم وبخاصة صورة عيسى بن مريم وأمه. فقد روى الأزرقي أنه ” جعلت في دعائمها صور الأنبياء …وصور الملائكة فكان فيها صورة ابراهيم خليل الرحمان شيخ يستسقم بالازلام وصورة عيسى بن مريم وأمه، وصورة الملائكة عليهم السلام أجمعين. فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله (ص)البيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبّلَ بالماء وأمر بطمس تلك الصور فطمست. ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وامه عليهما السلام، وقال :” امحوا جميع الصور الاما تحت يدي”. فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمه ونظر الى صورة ابراهيم فقال : قاتلهم الله ! جعلوه يستسقم بالأزلام ما لابراهيم والأزلام”(36).

المسيحية في جنوب شبه الجزيرة العربية:

دخلت المسيحية في هذه المنطقة في فترة مبكرة، وكان سكانها من القبائل المقيمة على الهضب العالية التي تسيطر على السواحل الشرقية والغربية للبحر الأحمر، قبل أن تتجه نحو المحيط الهندي. نشأت هناك دولتان متقابلتان أقدمها( العربية السعيدة) للطافة مناخها وغنى مواردها، بخلاف الأجزاء الموجودة في وسط

الجزيرة الموجودة في وسط الجزيرة العربية. كانت ميناء عدن منذ أقدم الأزمنة موضع تبادل بين دول البحر الأبيض المتوسط (مصر، آسياالصغرى،اليونان والجزر البعيدة).واضطر ملوك سبأ الذين كانوا يعيشون في هذه البلاد أن يدافعوا عنها ضد المصريين والآشوريين، وقد ذكر” الكتاب المقدس “زيارة ملكة سبأ(بلقيس)الى( سليمان الحكيم ).ولم يكن للرومان مع هذه المناطق الا صلات بعيدة. ومنذ القرن الأول كان يُطلق على هذه الدولة اسم مملكة حميَر. في الضفة المقابلة لعبت ميناء آدوليس بالنسبة للحبشة نفس الدور الذي قامت به عدن لعرب الجنوب. ومنذ عهد بعيد كانت القبائل الحبشية مثل الغلاس والدنكلي والصومالي، قد تأثرت بالتسربات العربية من الوجهة الطبيعية، ومن الوجهة الروحية وجلبت من شبه الجزيرة العربية اللغة والكتابة. وكانت حميَر قد تأثرت بالدعاية اليهودية، خاصة بعد تدمير القدس على يد القائد الروماني تيطس السنة 70 م. وقد اكتشف العلامة ريكمانس(37) عددا ًكبيراً من الأسماء الحميَريةالجنوبية، تذكر البعض منها كلمة الرب: كرب السماء والأرض، والرحمن. ولعل هذا قد مهد السبيل بقبول المسيحيةعند وصول دعوتها الى هذه المنطقة في القرن 4 ، عندما أصبح القديس فروماتيوس مطراناً للحبشة. وقد أرسل الأمراطور قسطنطين الكبير الى الحميريين الراهب ثيوفيلوس لهدايتهم. وفي الوقت ذاته للحصول على حرية الصفقات التجارية وحرية العبادة للتجار البيزنطيين. ويؤكد المؤرخ فيلوستورج في كتابه تاريخ الكنيسة (38)، ان هذه المهمة كللت بنجاح كبير: فقد اعتنق الملك نفسه المسيحية، وأسس ثلاث كنائس منها كنيسة ظفار. ولكن من الصعب قبول هذه الرواية اذ ان حياة الكنيسة العربية والكنيسة الحبشية في القرن5 لاتزال مجهولة . والشيْ الأكيد هو ان المسيحية وصلت الى مملكتي حومر واكسوم، ومن ناحية أخرى أنه لم يكن للكنيسة المسيحية جذور عميقة. كان يوجد في هذا العهد كنائسليس في صفر وعدن فحسب، ولكن أيضاً في داخل الجزيرة في نجران. وتقول بعض الروايات انه كان يوجد مسيحي سوري اسمه فيميون مع زميل له فأٌسرا اثناء غزوة وبيعا في نجران، وهناك يبَّس فيميون بطريقة عجيبة نخلاً كان معبوداً من الشعب، فاهتدى الشعب الى المسيحية. وتقول السيرة (39)ان فيميون وكان راهباً هوالذي حمل أهل نجران على النصرانية وأسس بها كنيسة يعقوبية. وهناك رواية أخرى مؤداها انه استطاع ان يبعد ابن أحد أعيان النجرانيين(اسمه عبد الله بن نمير)من التتلمذ على يد حاوٍ وجعله يقر بوحدانية الله. وعندئذ استطاع الله ان يعمل كرامات عديدة فتغلب على سحرة البلادز وكان قرب ضفتي البحر الأحمر، يسهل الغزوات . ففي القرن 6 احتل ملك أكسوم جزءاًمن نجران وأقام في صفر نائب ملك وحامية ، فنشأ مركز مسيحي جديد ولكن لم يكن أهل المنطقة وبخاصة يهود نجران ميالين لهم.

وأرسل المطران اليعقوبي ” يعقوب السروجي” الى الجماعة المسيحية في نجران مبشراً اياها بمذهب اليعقوبية (الطبيعة الواحدة) . وفي حوالي 523 قام القائد الحميري (ذو النواس) باعتناق اليهودية وقاد حملة ضد الحبشة، واستولى على صفر وقتل الحامية والكهنة وحوّل الكنيسة الى كنيس، وحاصر نجران، وأمر بحرق المسيحيين في أخدود وكان عددهم 40000، فأثر هذا في مشاعر الأمراطور البيزنطي فأرسل ملك أكسوم قائده أرياط (كالب) حيث قبض على ذي النواس وقتله بيده وأعاد المسيحية وقد ورد ذكر هذه في القرآن الكريم .(40) “وقُتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. اذ هم عليها قعود. وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهود…”

وقد روى ابن هشام أن ابن اسحق قال فيمن قتل ذو النواس عبد الله بن الثامر رأسهم وامامهم. وقد وجدت رفات ابن الثامر هذا

في خربة من خرب نجران زمن عمر بن الخطاب والرجل قاعد يضع يده على ضربة في رأسه، فاذا أزيحت يده سال الدم من موضع الضربة، واذا تركت امسك الدم، وفي يده خاتم مكتوب فيه (ربي الله). وكتب الى عمر في أمره ، فأمر ان يقروه على حاله ويردوا عليه الدفن كما كان عليه.(41)وبقصة عبد الله بن الثامر وايجاد جسده بعد زمن ولم يَبَلَ. وبروايات أخرى رواها الاخباريون عن حمزة بن عبد الله وغيره، قورن القول في القرآن الكريم عند بعضهم، ( ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)(42).

في الغزو الحبشي الثاني لليمن، أراد أبرهة الاشرم الذي ثار ضد النجاشي، وتخلص من سلطته مع بقائه موالياً لبيزنطية، أن يجعل من كنيسة نجران كعبة يحج اليها العرب ليصرف أنظارهم عن كعبة ابراهيم في مكة، مع سبب سياسي دفعه الى محاولة

احتلال مكة،عام 542 ، ألا وهو محاولة السيطرة على الطريق التجاري الواصل بين اليمن وبلاد الشام ، والوصول الى البيزنطيين فيها. في كنيسة نجران،

قال الأعشى :

وكعبة نجران حتمٌ عل يك حتى تٌناخي بأبوابها

نزور يزيداً وعبد المسيح وقيساً هم خير أربابها(43)

وكانت المستوطنات المسيحية في جنوب الجزيرة مزدهرة ايام النبي محمد، الذي وهب ضمانات لمسيحيي نجران. وقد جاء في أخبار المؤرخين المسلمين حكاية المباهلة بين الكهنة المسيحيين النجرانيين ومحمد. (44) وقد طرد عمر بن الخطاب المسيحيين، فذهبوا الى مابين البحرين، وأسسوا هناك” نجران جديدة”، وفي أواخر القرن الثامن، بعد اعتناقهم لمدة طويلة مذهب الطبيعة الواحدة، قبلوا المذهب النسطوري الذي نشره بين صفوفهم تيموطاوس، كاثوليكوس فارس.(45)

الصفحات 1 2 3 4 5 6