الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية

17/12/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

الدين:

الدين ، ايمان وعمل. ايمان بوجود قوى خارقة فوق طبيعة البشر العقلية،ولهذه القوى تأثيرفي مجرى حياة الانسان، وعمل في اداءفرائض وشعائر وطقوس معينة تفرضها الأديان السماوية والأرضية لعبادة الأصنام والأوثان لاسترضاء الآلهة(5). والايمان قبل العمل، وحتى تقوم بعمل ما فرضته عليك الأديان، لابد وأن تكون مؤمناً(وقبل القيام بهذا العمل) كل الايمان بوجود اله انصرفت اليه ذاتك، واعتبرته حامياً لك، قديراًعليك، يُسأل فيجيب، ويُنادى فيلبي. فالعمل تابع لهذا الايمان، وهو حصيلة مؤثراته في النفس الانسانية. والدين كما جاء في اللسان(6)، هو الطاعة. ومن الدين جاءت كلمة( ديان)، وهي من أسماء الله عز وجل ومعناها الحكم والقاضي، كقول ذي الاصبع العدواني:

لاه ابن عمَك، لاأفضلت في حسب فينا، ولا انت ديّاني فتخزوني!

والدين يأتي أيضاً بمعنى الجزاء وفق قول الكتاب المقدس: (7)” لاتدينوا لكي لاتدانو. لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم …”.

وقد يأتي الدين بمعنى الحساب، كما جاء في القرآن الكريم: “الرحمن الرحيم مالك يوم الدين …”(8)

_الدين(9)اذن علاقة بين الانسان والخالق، وهو فعل عبادة ناتجة عن ايمان بعد قناعة أوايمان مطلق فيه تسليم بما هو خارج عن النطاق البشري وادراكه، وعمل ملموس، هو نتيجة هذا الايمان. والعمل يكون بالممارسات الانسانية من صلاة وصوم وتقديم ذبائح وفروض وغير ذلك.

ان واقع المجتمع في الجزيرة العربية شهد لهذه الممارسات، وكان أولها الحج الى مكة في الأشهر الحرم منذ القديم

الجاهلية:

والجهل نقيض العلم أي أن الانسان يجهل مالايعرفه، وتطلق كلمة الجاهليةعلى زمن ماقبل الاسلام، حيث ان أكثر الباحثين ذهبوا في قولهم الى ان الجاهلية هي عصر الجهل والهجمية، ويعّرفها فيليب حتي بقوله: ” والجاهلية بالمعنى الصحيح هي ذلك العصر الذي لم يكن لبلاد العرب فيه ناموس وازع ولا نبي ملهم ولاكتاب منزل “(10)

ان هذا القول محل للنظر، فالجاهلية لاتعني الجهل على أنه نقيض العلم. وهو لايعني الضلال على قول المسعودي:” كانت العرب في جاهليتهم فرقاً، منهم الموحّد المقر بخالقه المصدق بالبعث والنشور …،ومنهم من مال الى اليهودية والنصرانية كقس بن ساعدة الأيادي… وبحيرا الراهب…” والشاعر أمية بن أبي الصلت يشير الى ايمانه بقوله:

كل دين يوم القيامة عند الله الا دين الحنفية زور(11)

ان الجاهلية ليست الضلال لأن الضلال شر، والشر نقيض الخير، والشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص يدعونا الى الخير، والخيرمن الله مبشراً بديمومته اذ يقول:

الخير يبقى وان طال الزمان به والشر أخبث أوعبتَ من زاد (12)

-ان الجاهلية اذن اشتقت من الجهل الذي يعني السفه والطيش والغضب والنزق، فالعربي سريع الغضب، وهذا ينم عن أخلاق الجاهليين على قول الحديث الشريف اذ ورد فيه ان الرسول قال لأبي ذر وقد عيّرَ رجلاً بأمه:” انك امرؤ فيك جاهلية “(13)

انتشار المسيحية في الجزيرة العربية: بعد هذه المقدمة ننتقل الى مسيحية الجزيرة العربية فنقول:

_ورد في كتاب أعمال الرسل انه في يوم العنصرة كان يوجد في مدينة اورشليم عرب …(14)، ولاشك أن هؤلاء العرب كانوا اما يهودا ًأو مهتدين أو مهتدين جدد من جنس عربي. ويقول القديس بولس انه توجه بعد اهتدائه في دمشق الى العربية بين اقامتين في دمشق، والعربية هنا تعني انه توجه الى حوران. وكانت بصرى عاصمة حوران مركزاً للمواصلات، خصوصاً الطريق القادمة من اليمن عبر مكة، ملتقى للقوافل التجارية،وان هذه المدينة بصرى كانت قد اختيرت مركزاً أسقفياً في النظام الكنسي، وكان جلّ مطارنتها من العرب، وقد شاركوا في المجامع الكنسيةالمسكونية، وكانت هذه المدينة أول مدينة تسلم أمرها الى الفتح العربي الاسلامي السنة 634 م.

في الحجاز: لقد تطبعت المسيحية في الحجاز بطبيعة البادية، وجعلت للعرب أساقفة يرحلون معهم سموهم ” أساقفة المضارب “. واشترك بعضهم بالمجامع الكنسية ووقعوا على أعمالها بهذه الألقاب “فلان أسقف أهل الوبر “، ” وفلان أسقف القبائل الشرقية المتحالفة “. وقد ذكر المؤرخ سوزمنوس منذ القرن الرابع ” ان في بعض قرى العرب ودساكرهم أساقفة ” وقد نقل اليعقوبي هذه الشهادة : “وأما من تنصر من أحياء العرب فقوم من قريش. ومن اليمن طيء وبهراد وسليخ وتنوخ وغسان ولخم. “(15)

أيلة ( العقبة):

يقول ياقوت ان أيلة ” آخر بلاد الحجاز ” شمالاً كانت نصرانية. ويذكر المسعودي أن “يوحنة بن رؤبة

كان أسقف أيلة وأنه قدم على محمد سنة تسع للهجرة وهو في تبوك فصالحه على ان لكل حالم بها ديناراً في السنة “. ويؤيد هذه الشهادة ابن سعد فيجعل الوافد ملكاً لاأسقفاً، بيد أن ذكر الصليب على صدره يدل على انه أسقف لاملك. ” وكان يوحنا ملك ايلة. وأقبل معه أهل جرباء واذرح، وعليه صليب من ذهب فصالحهم وقطع عليهم جزية معلومة”. وتنقل سيرة ابن هشام صورة كتاب الرسول الى يوحنا بن رؤبة وأهل أيلة ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر.(16)

دومة الجندل:

كان عليها أسقف. قال ابن هشام في حديثه عن غزوة تبوك: “ثم ان رسول الله(ص) دعا خالد بن الوليد فبعثه الى أكيدردومة.وهو أكيدر بن عبد الملك. رجل من كندة، وكان ملكاً عليها، وكان نصرانياً “(17)وكان النبي قد تصالح معه على الجزية بعد أن فتحها خالد. (18)

الصفحات 1 2 3 4 5 6