العلامات
الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية
17/12/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
_ان اللغة العربية هذه هي هي لغة القبائل والمدن العربية المسيحية ما قبل الاسلام بوقت طويل، وفي موطن الهجرات العربية المتعاقبة منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، وحتى هجرة الغساسنة والمناذرة المسيحيين في القرن الخامس الميلادي، أي قبل آخر هجرة عربية خرجت من الجزيرة العربية، الاوهي الفتح العربي الاسلامي عام 634 م. وهي هي ، لغة الأحفاد المسيحيين الحاليين، الذين يعتزون بأجدادهم العرب الغساسنة بعاصمتيهما الدينية( بصرى)، والسياسية( الجابية )في حوران. وقد انقلبوا على حلفائهم البيزنطيين، والتحقوا بجيش العرب المسلمين في معركة اليرموك، ومن ثم لينضموا تحت لواء الأمبراطورية العربية الأموية مؤيدين على هذا النحو صدارة الروح القومية العربية على طابع الأمبراطورية البيزنطية الديني ومثبتين للأجيال اللاحقة عروبتهم.
_ان المسيحية العربية ومن بعدها الاسلام العربي، كما يتضح من تاريخ هذه المنطقة العربية ، جانبان متميزان يشكلان الحضارة العربية ويعلنان بأن هذه الأرض الحبيبة هي دار المسيحية والاسلام معاً. ان علاقة المسيحية بالاسلام، علاقة انتماءالى دين سماوي ينادي بمعبود واحد أحد لاشريك له عز وجل. ربما بفلسفة و بأشكال وطقوس عبادية مختلفة بعض الشيء. الا أن علاقة كل منهما بالعروبة هي علاقة تجذرتاريخي أصيل، علاقة فعل مدهش، فعله الغساسنة المسيحيون مع اشقائهم المسلمين قبل 14 قرناًخلت. وتكررت كثيرا ًهذا الزمن. ولعل ما قام به الخوري نقولا الخوري كاهن رعية مدينة انطاكية عام 1938 . عندما فتح ورعيته ابواب كاتدرائية القديسين بطرس وبولس الأرثوذكسية في مدينة أنطاكية السورية قبل سلخ لواء الاسكندرون السليب،أمام اشقائهم العرب المسلمين للصلاة فيها،خيرتعبيرعن الوحدة الوطنية بمواجهة الأتراك المسلمين الذين اغلقوا أبواب المساجد في أنطاكية امام المصلين لايهام الدول الغربية ولجنة التحقيق الدولية بأن تركيا “اتاتورك” دولة علمانية لادينية. نعم صلى المسلمون السوريون ابناء مدينة أنطاكية في كاتدرائية المسيحيين السوريين.في المدينة التي فيها دعي المسيحيون أولاً عام40 مسيحية.وقبلاً وقف البطريرك الأرثوذكسي العظيم غريغوريوس حداد مع الشريف حسين (خليفة العرب والمسلمين لاحقاً) على رأس كل المسيحيين في سورية الكبرى لطرد الأتراك منها. كذلك وقف الأمير فيصل بن الحسين شريف مكة في شرفة دار البلدية في حلب عام1919 يخطب في الجموع الحاشدة المطالبة بالاستقلال،معرفاً بمعاونيه في هذا المسعى واولهم مطران حلب الأرثوذكسي .هذا الفعل العروبي اجترحه البطل السوري المسيحي الشهيد جول جمال الذي فجربجسده البارجة الفرنسية جان دارك بعملية استشهادية في بورسعيد غيرت مجرىالعدوان الثلاثي على مصر السنة1956 وقد اكد بفعله هذا قوميته العربية مضحياً بذاته من أجلها في مياه بورسعيد . كذلك قدم المسيحيون المغتربون من سورية الى ابناء دمشق بغض النظر عن دينهم (وكانوا في معظمهم مسلمون) ما ادخروه من تعبهم عندما دمر الفرنسيون بيوتهم في دمشق اعوام 1925 و1945 وكما سبق للبطريرك غريغوريوس ان أطعم جائعي دمشق وسواها من ارزاق البطريركية الأرثوذكسية في دمشق وكانوا في معظمهم من المسلمين ، وقد باع معظم أوقافها لاطعامهم.
لذلك ومن باب الاعتزاز هذا، نجد ان المسيحيين العرب مازالوا( بل يتوجب عليهم )البقاء في ديارهم العربية، ، أرض الأجداد، لأنهم من أديم هذه الأرض العربية الحبيبة وقد امتلأت برفاة أجدادهم عقب الفي سنة ونيف. انهم على قدم المساواة مع المسلمين فجذرهم واحد،ويقاسمونهم ذات الأرض، والتاريخ عينه، وذات الآلام والطموحات والآمال، وأخصها الوحدة العربية، لذلك ظهرت الأحزاب القومية العربية بروادها المسيحيين العرب وضمت مسلمين ومسيحيين بعيداً عن التعصب الديني والطائفي ونادت بوطن عربي للجميع كما حصل في الخمسينات.
الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية
لمحة عامة:
عندما تذكر المصادر القديمة المنطقة العربية فانها لاتقصد مانسميه اليوم شبه الجزيرة العربية، ففي أزمنة الكتاب المقدس لم تكن هذه المنطقة العربية جنوبا ًتتجاوز الحجاز، ولم تكن تحوي الجزء الأكبرمما كان يسميه الرومان “البلاد العربية السعيدة”،كما لم تضم منطقة تدمر ولا بتراء العرب أي شبه جزيرة سيناء، اذ كانت خاضعة لاقليم فلسطين(1) _ان المقصود في بحثنا هنا شبه الجزيرة العربية، اي ما عرف بأنه بلاد العرب ومنبت هجراتهم من قبل الميلاد وحتى آخر هذه الهجرات، هجرة العرب المسلمين وانطلقتهم الواثقة لفتح العالم ونشر الاسلام.
شبه الجزيرة العربية:
نقل ياقوت الحموي عن أبي المنذر هشام بن السائب عن أبن عباس مايلي :
“ان العرب سمت بلادها جزيرة لاحاطة الأنهار بها من جميع أقطارها وأطرافها …”(2). تقع شبه الجزيرة العربية،وهي بلاد العرب في الجنوب الغربي من قارة آسيا وهي مستطيل غير متوازي الأضلاع شماله فلسطين وبادية الشام، وشرقه الحيرة ودجلة والفرات والخليج العربي، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه البحر الأحمر. (3)وتتداخل في شبه الجزيرة هذه بادية الشام حتى الفرات شرقاً، وأرض الحََضَر في بلاد الشام غرباً، كما تتداخل فيها بادية فلسطين وطور سيناء الى مرابع النيل.(4) ان طبيعة شبه الجزيرة جرداء ليس فيها نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يمكن الاعتماد عليها في الزراعة، وفي تنظيم الصناعة التي تعتمد على هذه الزراعة فيما خلا بلاد اليمن الواقعة جنوبها والممتازة بخصب أرضها وكثرة أمطارها، لذلك فالحياة في شبه الجزيرة العربية، هي حياة بداوة، مع ماتقتضيه من ارتحال دائم، واتخاذ الجمل سفينة للصحراء.مع الأخذ بعين الاعتباران مكة ويثرب، وبحكم موقعهما الوسيط بين جنوب الجزيرة وشمالها اتخذتا واقعاً تجارياً. اضافة الى ان مكة (البيت العتيق)اتخذت طابعاً قدسياً بين كل قبائل الجزيرة العربية.

