الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية

17/12/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

الأصول المسيحية في شبه الجزيرة العربية

المقدمة:

شهدت خمسينيات القرن العشرين مداً قومياً، اعتز رواده بالعروبة، وسعوا لتحقيق الهدف المنشود، وهو اقامة الوحدة العربية، بالرغم من تعدد الأيديولوجيات والمنطلقات النظرية.

وما لبثت العقود التالية ان حملت بوادر تكوين هيكليات سياسية صغيرة، تعتمد على الدين كأساس لشكل الدولة،بعيداًعن القومية العربية وفق ماروجت له اسرائيل ومن ورائها الصهيونية العالمية، لتفتيت الأمة العربية أولاً، وللبقاء أبداً بشكلها الديني المتطرف. وقد جاءت الحرب اللبنانية الطاحنة كمحصلة لما خططت له الصهيونية، وبسببها شهدت كامل المنطقة العربية عموماً ولبنان خصوصاً، هجرات كبيرة من العرب المسيحيين، ليس فقط الى بلدان الاغتراب التقليدية كالأمريكيتين واستراليا، بل الى بلدان اوربية عديدة كالسويد والمانيا وفرنسا وانكلترا ايضاً،( بتشجيع وتسهيل من هذه الدول) يدفعهم خوف من المجهول، فيما لو بقوا في المنطقة العربية. وقد اصبحوا غرباء في مغترباتهم يعيشون فيها على فتات معونات تقدمها لهم هذه الحكومات، وهم مجتمعون في ملاجىء، يصح معها ان نسميها معسكرات اعتقال. والآن جاء دور المسيحيين العراقيين كنتيجة طبيعية للغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، والتصفية التي يتعرضون لها من جميع الفرقاء المتقاتلين على الساحة العراقية وقد تناولت رئاساتهم الروحية ورموزهم الدينية وكنائسهم وممتلكاتهم،حيث يعتبرهم البعض كفاراً لأنهم على دين الغزاة، وهم من هذه التهمة براء، فهم ليسوا كفرة، لأنهم اصحاب دين سماوي يوقره الاسلام والقرآن الكريم والنبي محمد. والبعض يعتبرهم غرباء،وهذه فرية ظالمة،لأنهم أصحاب الأرض ماقبل ظهورالمسيحية واعتناقهم لها وما قبل ظهور الاسلام ومجيئه اليها، ولأنهم مواطنون بررة خدمواالوطن عبركل العهود، وحافظوا عليه ولم ينصاعوا لغازٍ او فاتح، ويشهد عليهم بذلك تاريخ الخلافة الاسلامية بكل أدوارها. الآن انخفض عدد المسيحيين في العراق من مليون مسيحي الى اقل من 200000 مسيحي نتيجة القتل والهجرة الى مغارب الأرض ومشارقها، والبقية اصبحت لاجئة مرتاعة في أرض الآباء والأجداد تنتظردورها قتلاً اوتهجيراً،لاذنب لها الاانها مسيحية. و كما باتت الفئة المغتربة الهاربة بدورها لاجئة. ولانعلم متى ينتهي هذا المسلسل المؤلم والدامي والخطير في نتائجه، الذي يفرغ المنطقة من بنيها البررة . لاسيما وقد امسى العراق الواحد ثلاثة كيانات سياسية ومذهبية متنافرة وبهذا تحقق حلم الصهيونية وسعيها لتفتيت البلاد العربية، ولافراغ هذه المنطقة من خبرات متنورة سبق للمفكر العربي والاسلامي الكبير الشيخ عبد الرحمن الكواكبي أن وصفها بندائه الى المسيحيين العرب مواطنيه بقوله لهم:” ايها العرب غير المسلمين تناسوا ضغائنكم. انتم الأولون الأكثر تنويراً وثقافة، وعليكم ان تجدوا وسيلة لتوحيد الصفوف”

وما من شك، فان الكواكبي استند في قوله هذا على قوافل المتنورين العرب في النصف الثاني من القرن 19، الذين كان جلهم من أصدقائه المسيحيين. والذين انطلقوا من الديار الشامية هرباً من الطغاة العثمانيين الى مصر محمد علي باشا واسرته، يحملون أفكار التنوير، ويساهمون مع اشقائهم المتنورين المصريين/ وكانوا بمعظمهم من المسلمين/ في بعث القومية العربية بعيداًعن الظلم العثماني والآن تكمل الحركات الأصولية مخطط تفتيت المنطقة العربية بنسيجها الفريد من قوميات وأعراق وأديان ومذاهب، وقد نادت خفية بأن ارض العرب هي دار الاسلام. وقد سعت وتسعى بتشجيع من البعض ؟!لاستلام الحكم فيها بالقوة وبالدم. _ من خلال هذا الواقع المتوتر بشدة، يتضح مدى الخوف الذي سيطر ويسيطر على المسيحيين العرب من اسلام يسعده ُضعفهم. لذا كان همهم الأكبر اما بالهروب من هذا الواقع الضعيف عبرالهجرة الى بلدان يتحقق لهم فيها الأمان، أو بأن يقوم في كل يوم حوار اسلامي – مسيحي، حوار وجودي، حوار محبة ورحمة تلتقي بفضله في هذا الشرق العربي الحبيب، المسيحية الأصيلة بالاسلام الحق وسيكون هذا الحوار خير وسيلة للتأكيد مرة أخرى، وبصورة أوضح على انتماء المسيحية الأصيلة الى مااصبحنا نسميه اليوم، دار الاسلام، أوبعبارة أوضح مافرضت تسميته وفق هذا الواقع الحالي.

_ان المسيحيين العرب يرفضون ان يكونوا مجرد جسم غريب في أوطانهم، او يوصفون بأنهم بقايا غزوات الفرنجة الاستعمارية، التي سبق ومنذ قرون/ وحتى الآن/ ان غزت هذه المنطقة، كما يحلو لذوي الغايات اطلاق لقب الصليبين عليهم، لأنهم وعلى العكس تماماً، كانوا في الشرق العربي قبل الاسلام، متجذرين مع جذور التاريخ في هذه الأرض العربية الحبيبة منطلق المسيحية الى العالم لهم في هذه الأرض مالغيرهم. وهم يحملون باعتزاز هويتهم التاريخية العربية الأصيلة، وقوميتهم العربية عبر أحد أهم رموزها الرئيسة (اللغة العربية)، ودليلنا أجيال المهاجرين العرب المسيحيين الذين يتجمعون في مغترباتهم في شتى بقاع الأرض، ويحافظون على لغتهم العربية من خلال المدارس العربية التي افتتحوها بجهودهم والمرتبطة اصلاً بتجمعات الكنائس هناك.

الصفحات 1 2 3 4 5 6