العلامات
إنجيل برنابا في الميزان
28/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
ولا نغفل إشارات دعاوات ومفاهيم ومناسبات وردت في هذا الكتاب هي من صميم القرون الوسطى «إن سنة اليوبيل التي تجيء الآن مرة كل مئة سنة»، ومن المعروف أن اليوبيل اليهودي كان يحدث مرّة كل خمسين سنة ولا ذكر في التاريخ ليوبيل يقع كل مائة سنة إلا في الكنيسة الرومانية. وكان أول مَن احتفل به البابا يونيفاسيوس الثامن سنة 1300، وثمة برهان يشير إلى أنه وليد القرون الوسطى، وهو تقسيمه إلى فصول. من الثابت ان الكتاب المقدس لم يقسم إلى فصول إلا سنة 1226 بمبادرة من العالم الإنكليزي «ايتين لانغدون» Etienne Lancdon.
وثمة برهانان في نوع الخط ونوع الحبر لا يجوز إغفالهما:
فنوع الخط الإيطالي المعتمد في المخطوط الإيطالي هو في تقدير الأخصائيين، لم يعرف قبل القرن السادس عشر
أما نوع الحبر فلم يعرف قبل النصف الثاني من هذا القرن.
ويذهب مترجمه الدكتور خليل سعادة إلى أن أصل هذا الكتاب عربي إذ أن كثيراً من فقراته يكاد يكون ترجمة حرفية أو معنوية لآيات قرآنية ولأحاديث نبوية ولأساطير علمية لم يكن يعرفها حينئذ غير العرب إضافة إلى طراز تجليد النسخة الإيطالية الذي هو طراز عربي بلا مراء.
الخاتمة
يطلع في كل يوم حدث جديد يمس أسرار الوجود الإنساني، فيثير الاهتمام ويدفع المطلع للوقوف على أمره ليتبين أبعاده ومراميه ومسبباته ومدى علاقته بإنسانية الإنسان وبكرامته وبقضيته ومعتقده.
إن تعريب هذا الكتاب وطبعه ثم إعادة طبعه مجدداً لهو من هذه الأحداث الجسام، لا سيما وأن فيضاً من التحليل والكلام قد واكبه. وقد تنفس الكثيرون الصعداء حيث استقر في مخيلاتهم بأنه الإنجيل الصحيح والأوحد وأن التدبير الإلهي أظهره ليفنّد عقيدة محرفة مضى عليها تسعة عشر قرناً.
وفي مجتمع متعدد الانتماءات كمجتمعنا العربي يتعرض المرء كثيراً لمواقف كهذه، وهذا بالتحديد ما حصل معي منذ أن كنت في المدارس الثانوية الرسمية وكان الكثير من محاوري يعتدّون بأن يعلنوا أن هذا الكتاب هو الصحيح وبأن إنجيلنا الحقيقي ببشاراته الأربع محرَّفٌ. ويكفي أن يكون أربعة أشخاص قد كتبوه ليكون محرفاً. ومنذ ذلك التاريخ آليت على نفسي أن أطلع على ما كتبه حوله جهابذة أعلام في الكتاب المقدس واللاهوت من باب حب الاطلاع لا حباً بالحوار، خاصة وأن الحوار عند بعض مَن يتمسك بما يعتقد يكاد أن يكون عسيراً. ولكني بعد أن أصبحت كهلاً وجدتُ في نفسي شوقاً إلى كتابة هذا البحث مدفوعاً بأمرين اثنين: إيماني بمسيحيتي بلا حدود، وهوايتي للتاريخ. لذا أرجو غض الطرف عن كل هنة وردت فيه هنا أو هناك.
أعجبتني فقرة أوردها الصديق الأب الياس زحلاوي، وهو أحد هؤلاء الأعلام في كتيبه «حول الإنجيل وإنجيل برنابا» حيث يقول: «يوم ظهر إنجيل برنابا في ترجمته العربية سنة 1908 ظنّ بعضهم فيه خيراً كبيراً… وخشي بعضهم شره وما كانوا ليدروا حقيقته! والواقع أنه لا هو خدم الإسلام ولا هو هدم المسيحية… نحن نرى أن نبذ «إنجيل برنابا» يخدم الإسلام بالذات فهو ينقض القرآن ويورد ما لا صحة لسنده من القصة في المعتقد الإسلامي.
أما أنه لم يهدم المسيحية فليس أدل على ذلك من أن الهدف الأبعد من وضع الكتاب واضح وهو يبرز من خلال كل سطر فيه ولكنه من حيث تأثيره أشبه شيء بصوت الطبل. يظنه الجاهل شيئاً وهو ليس بشيء».
ونحن نؤيد ذلك فلا الراهب فرامرينو (إن كان هو قد كتبه أو سواه) ولا عبد الأحد داود الذي ماثلت قصته قصة فرامرينو، وكان كاهناً كاثوليكياً في أواخر القرن الماضي اسمه بنيامين اعتنق الإسلام بعدما زار شيخ الإسلام في اسطنبول ووضع كتابه «محمد في الكتاب المقدس» الذي يكاد يكون نسخة طبق الأصل عن إنجيل برنابا استطاع أن يهدم المسيحية فكان «تأثيره كصوت الطبل».
من كل ما تقدّم يتضح للقارئ الكريم زيف «إنجيل برنابا» وبطلانه بطلاناً مطلقاً. وهكذا لم تتحقق رغبة الكاتب بأن يجعل من مؤلَفه انجيلاً واحداً يقوّض به أركان المسيحية الحقة.
ها قد مضى عشرون قرناً على حياة المسيحية وهي تتعرّض لمحاولات التهديم والتهويد: بلغ عدد الدكاكين المتهودة في أميركا لوحدها خمسمئة دكان، وقام العديدون من حملة الشهادات العليا في أوروبا وأميركا باستغلال وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لإظهار بطلان الدعوة المسيحية بشتى الوسائل. وبدافع من الصهيونية العالمية، قالوا بتحريف الانجيل، وحاولوا التشكيك بصحة مسيحانيّة يسوع، ورفضوا أن يكون قد صُلب أو قام من بين الأموات… استبدلوا الانجيل المقدس بالتوراة ووزعوها على كل الغرف في فنادق أميركا… لم يتركوا باباً إلا طرقوه ولم يجدوا مناسبة إلا استغلّوها لتقويض المسيحية… جنّدوا ما جنّدوا، ووظّفوا ما وظّفوا، وبذلوا ما بذلوا للنيل من المسيحية، لكنّهم لم يتمكنوا ولن يتمكنوا من النيل منها. مرّات ومرّات حاربتنا الصهيونية العالميّة ونكّلت بنا: من إشقاء مليون اشوري عراقي في القرن التاسع عشر، إلى تهجير مسيحيي كيليكيا وأرمن وسريان تركيا وديار بكر ومن بعدهم أرثوذكسيّي إنطاكية عام 1939، إلى محاولة نقل مسيحيي لبنان إلى أميركا عام 1975، إلى ما نشهده اليوم من الامعان في محاربتنا بتشجيع شهود يهوه والمعمدانيين والمتجدّدين والسبتيّين والمورمون وعبدة الشيطان وأمثالهم، حيث تشكّل في لبنان مؤخراً ما يزيد على المئة والخمسين مذهباً مع عدد كبير من محافل الشيطان التي تنادي ــ فيما تنادي ــ بحق اليهود في بناء هيكل سليمان…
والمطلوب من المسيحية العربية وسواها أن تتابع الشهادة للرب يسوع في مهده ولحده، وأن تبقى ــ رغماً عن جميع المحاولات ــ الشاهد الأمين والحامي الغيور لكنيسة الرب يسوع التي لن تتزعزع.

