إنجيل برنابا في الميزان

28/10/2008   بقلم: د.جوزيف زيتون

برنابا وأرض المسيحية

يرتكب برنابا أخطاء فادحة لا تغتفر مما يدل على أنه يجهل أرض فلسطين جغرافياً وواقعها سياسياً ودينياً.

من ذلك إنه يضع الناصرة على شاطئ بحيرة طبريا في حين أنها تبعد عنها 20 كم وترتفع عنها 600 م. وهو يصف مدينة كفر ناحوم بأنها مبنية على جبل، في حين أنها تقع على شاطئ بحيرة طبريا، وهو يحدد موقع مدينة صور على ضفاف نهر الأردن بينما هي مرفأ لبناني يبعد أكثر من 200 كم عن مصب نهر الأردن.

كما أنه يجعل من أورشليم القدس مرفأ حيث يردد مراراً «وركب يسوع السفينة ومضى إلى أورشليم» في حين أن أورشليم جبلية ترتفع 500 م عن سطح البحر وتبعد سواء عن البحر المتوسط أو الميت أو بحيرة طبرية عشرات الكيلومترات.

أما على الصعيد السياسي فيقول برنابا أن حاكم فلسطين حين مولد يسوع كان بيلاطس البنطي بينما يؤكد التاريخ أنه كان حاكماً إبان محاكمة يسوع وهو من حكم عليه بالصلب.

وبالنسبة إلى الحياة الدينية يقول برنابا أن حنّان وقيافا كانا رئيسي الكهنة إبان ميلاد يسوع والتاريخ يثبت أنهما كانا في الحكم على يسوع بالموت.

يقول برنابا ان كلاً من رئيس الكهنة وهيرودس وبيلاطس كان يرأس جيشاً مؤلفاً من 250.000 مقاتل وأن حرباً أهلية كادت تقع بين هذه الجيوش لاختلافها على الإيمان بألوهية يسوع أو الكفر بها. أما التاريخ فيروي أن عدد سكان كل فلسطين وقتئذ ما كان ليتجاوز المليون وأن رئيس الكهنة ما كان ليحكم على أي جندي كما أن هيرودس لم يكن ليتمتع بأي سلطة عسكرية، وأن الجيش الروماني كله المرابط في فلسطين لم يتجاوز الـ 6000 مقاتل، إلا في حرب السبعين حينما دمر القدس والهيكل قمعاً لثورة اليهود.

يذكر برنابا أن الجنود الرومانيين كانوا يجتمعون إلى يسوع في الهيكل وكانوا أول من صدّقه ونادى به إلهاً إلا أنه وفي الحقيقة كان يحظر على الوثنيين دخول الهيكل وإلا تعرّض المخالف للموت الفوري كما كاد يحدث لبولس ورفقائه اليونانيين المتنصرين (أع ف21: 27ــ36).

قال برنابا: إن يسوع كان يعلم الجماهير وهو واقف على جناح الهيكل بينما يؤكد التاريخ وعلم الآثار أن هذا الجناح كان يعلو 200 م عن أرض قدرون ولا يزال الجدار ذاته قائماً إلى اليوم.

أورد إنجيل برنابا على لسان يسوع أبحاثاً فلسفية في الجسد والحس والنفس والخطيئة والشر والقضاء والقدر وهي بعيدة عن روح الإنجيل ولم تثر إلا في القرون الوسطى.

إن إنجيل برنابا وعلى لسان يسوع ينفي ألوهيّته ويستنكر القول بها. أما التاريخ فيعلن بكل يقين ووضوح أن المسيحيين آمنوا بيسوع المسيح إلهاً منذ اللحظة الأولى لا لأنهم هم ألّهوه أو انقادوا لبولس بل لأنه وهو الإنسان فرض عليهم الإيمان به إلهاً بكل ما عاينوه وسمعوه.

أخيراً مَن هو برنابا هذا المسمي نفسه تلميذ يسوع الناصري والمتصدي لتنفيذ أمره بتبليغ الناس «الإنجيل الصحيح ليسوع المدعو المسيح»؟

بعض الباحثين يقولون انه قد يكون مسلماً أندلسياً أرغم على انتحال المسيحية في جملة مَن أُرغم على ذلك بعد سقوط غرناطة في أيدي الأسبان عام 1491 وأراد الثأر لحريته ودينه فوضعه.

وبعض آخر يرجح بأنه راهب إيطالي يُدعى مارينو اعتنق الإسلام فحاول تبرير ما فعله وطلع على الدنيا بما يظنه توفيقاً بين القرآن ومسيحية خالية من التحريف.

ومن الباحثين مَن يقول إنّه يهودي سعى إلى ضرب الدينين الكبيرين: «المسيحية والإسلام» الواحد بالآخر انتقاماً لبعض ما نزل من اضطهاد بجماعته من قبل محاكم التفتيش المعاصرة.

تاريخ ظهور «إنجيل برنابا»

ظهر عام 1709، إلا أن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أنه وضع في القرون الوسطى بسبب ما حمل من أفكار راجت فيها وفي أوائل عصر النهضة. من ذلك نظريته في النفس والحس، وتقسيمه النفس إلى حسية ونباتية وعقلية وكذلك نظريته في التغذية في ملكوت السماوات، وتقسيمه الجحيم إلى سبع دركات، أعد كل منها لإحدى الخطايا الرئيسية السبع، إذ يقول «اعلموا أن الجحيم هي واحدة، ومع ذلك فإن لها سبع دركات فكما أن للخطيئة سبعة أنواع، إذ أنشأها الشيطان نظير سبعة أبواب للجحيم كذلك يوجد فيها سبعة أنواع من العذاب». وهذه فكرة لم تثر في المسيحية قبل القرن 14.

الصفحات 1 2 3 4 5 6