العلامات
إنجيل برنابا في الميزان
28/10/2008 بقلم: د.جوزيف زيتون
يسوع بين إنجيل برنابا والتاريخ
يروي إنجيل برنابا عن مولد يسوع المعجز وعن طفولته وصباه أموراً كثيرة لا تمت بصلة إلى ما يرويه التاريخ، ثم إنها ليست بذات شأن، بالنظر إلى شخصية يسوع، كما حددت صورتها وسيرتها المصادر التاريخية، المعروفة والثابتة، من مسيحية ويهودية ورومانية. إن شخصية يسوع بحسب هذا الإنجيل الزائف تتعارض كلياً مع ما أجمعت عليه المصادر التاريخية نفسها إجماعاً كاملاً وبالذات حول آخرة يسوع.
إن المسيحية منذ نشأتها تثبت إيمانها بموت المسيح وقيامته من بين الأموات، وهذا ما أكّدته بشائر الإنجيل الأربع وقد تبنّت الأجيال المسيحية المتعاقبة هذه الحقيقة الجوهرية الدامغة برغم اختلافاتها الكثيرة، حتى أصبح الصليب رمزاً للمسيحية عبر التاريخ كله.
ثم إن ما تقوله المسيحية بصدد آخرة يسوع، تؤكده المصادر التاريخية، اليهودية منها والوثنية: فالتلمود يحمل على يسوع وأمه ويطلق عليهما أقذر النعوت بحقدٍ لا يرحم إذ يصف أنه كان عقاباً إلهيّاً تارة بالشنق وتارة بالرجم.
أما المصادر الوثنية فإنها على ندرتها كانت حاسمة في شهاداتها. فالمؤرخ تاكيتوس والمؤرخ سوتيونوس والوالي بلينوس الأصغر وجميعهم من القرن المسيحي الأول يؤكدون هذه الحقيقة التاريخية، فقد جاء في كتاب الحوليات لتاكيتوس قوله، في معرض حديثه عن حرق رومة في عهد نيرون:
«إنهم دُعوا مسيحيين نسبة إلى المسيح الذي حكم عليه بيلاطس البنطي بالموت على عهد طيباريوس، وقد انتشرت هذه البدعة الخبيثة انتشاراً غريباً ليس في اليهودية حيث نشأت وحسب، بل في روما بالذات أيضاً».
بينما أكّد برنابا المزعوم في إنجيله أن يسوع لم يمت إنما رفعته الملائكة إلى السماء والذي صلب هو يهوذا الاسخريوطي الذي جاء بالجند ليسلمه إليهم لقاء فضة، فحكم الله عليه وحوّله إلى شبه بديل ليسوع، فقبض الجند عليه وحوكم وصُلب بدلاً من يسوع (الفصول 210ــ221).
«فأخذ يهوذا وحوكم وصُلب بدلاً من يسوع… أما التلاميذ الذين لم يخافوا الله، فذهبوا ليلاً وسرقوا جسد يهوذا وأشاعوا أن يسوع قام…
«وبلغ الخبر الناصرة كيف أن يسوع، أحد أهالي مدينتهم، قام بعد أن مات على الصليب فضرع الذي يكتب (أي برنابا) إلى أم يسوع أن ترضى فتكف عن البكاء، لأن ابنها قام. فلما سمعت العذراء مريم هذا قالت باكية: لنذهب إلى أورشليم ننشد ابني، فإني إذا رأيته، مت قريرة العين.
وصعد الملائكة الذين كانوا حرّاساً على مريم إلى السماء الثالثة حيث كان يسوع في صحبة الملائكة، وقصوا عليه كل شيء. لذلك ضرع إلى الله أن يأذن له بأن يرى أمه وتلاميذه فأمر حينئذ الرحمان ملائكته الأربعة المقربين وهم جبريل وروفائيل وأوريل وميخائيل أن يحملوا يسوع إلى بيت أمه فجاء يسوع محفوفاً بالسناء إلى الغرفة التي أقامت فيها مريم والرسل… فخرّوا من الهلع كأنهم أموات فأنهض يسوع أمه والآخرين عن الأرض قائلاً: لا تخافوا إني أنا يسوع. لا تبكوا، فإني حي، لا ميت… ثم أجاب يسوع معانقاً أمه: «صدقيني يا أماه، لأني أقول لك: بالحق لم أمت قط. لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم…».
ثم التفت إلى برنابا وأمره بأن يكتب إنجيله حتماً ويروي ما حلّ بيهوذا ليزول انخداع المؤمنين…
العقيدة المسيحية بين «إنجيل برنابا» والتاريخ
يدعي «برنابا المزعوم» أن كتابه وحده هو الإنجيل الصحيح والتاريخ يؤكد بلسان جميع المسيحيين منذ فجر تاريخ المسيحية أن إنجيل يسوع هو ببشاراته الأربع كما كتبها تلاميذه متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
إن إنجيل برنابا لم يذكره التاريخ قبل 1709، فهل يُعقل أن يخفيه المسيحيون طيلة ستة عشر قرناً؟ مَن الذي يؤكد ادعاء برنابا بأنه أعظم الرسل وأن يسوع أمره ــ كما مر معنا ــ بتصحيح أخطائهم كما أمره بأن يبشر العالم برسالته الخالية من كل تحريف؟
مَن هو برنابا والحالة هذه؟ ما علاقته بيسوع وبالرسل؟
إن سفر أعمال الرسل يخبرنا عن تلميذ لا رسول يدعى برنابا ظهر بعد ارتفاع يسوع إلى السماء وبعد انتشار المسيحية بين صفوف اليهود والوثنيين في فلسطين وخارجها، وبرنابا هذا (ابن العزاء) هو لقب ليهودي لاوي قبرصي اسمه يوسف أصبح مساعداً للرسل في خدمة الشعب والتبشير بالإنجيل وكان أول مَن تجرّأ على الاجتماع ببولس المضطهد السابق إثر عودته من دمشق إلى القدس (أعمال9: 26ــ28). ومن ثم كتب لبرنابا أن يكون ملازماً له في تبشيره. وقد كان لوقا، تلميذ بولس خير شاهد على اعتناق برنابا المسيحية أولاً وعلى تلمذته لبولس وعلاقته بالرسل، وقد دوّن ذلك في سفر الأعمال.
إن لوقا لم يتورع عن ذكر الخلاف الذي نشب بينه وبين صديقه بولس بسبب انحيازه إلى ابن أخته مرقس.
«فأخذ برنابا مرقس وأقلع إلى قبرص، أما بولس فاختار سيلا وخرج من أنطاكية بعدما استودع الأخوة نعمة الله فاجتاز سورية وكيليكية يقوّي إيمان الكنائس» (أع15: 36ــ41). فهل تصدق شاهد عيان اسمه لوقا أتت شهادته منسجمة مع المسيحية؟ أم شاهد زور جاءت شهادته على طرفي نقيض مع المسيحية؟
إن إنجيل برنابا يكفر الذين ادعوا بأن يسوع هو ابن الله وفي مقدمتهم بولس الرسول. وهنا لا بد من المجاهرة بأن اليهود وكان منهم غالبية المسيحيين الأولين آمنوا بألوهية يسوع مكرهين لأنهم لم يستطيعوا إلا الاعتراف الكامل بكل ما عاينوا سيما وانهم اضطهدوا وشردوا واستشهدوا.
إن تحميل بولس الرسول مسؤولية تأليه يسوع يناقضه أن المذكور شهد رجم استفانوس أول الشهداء لأنه متعصب ليهوديته وقد قاد حملة إلى دمشق للقضاء على مسيحييها. إنه هنا على مشارف هذه المدينة الخالدة المقدسة دمشق أبصر نور الإله يسوع. انه لم يفرضه إلهاً كما ادعى برنابا المزعوم لا بل بشرٌ وتعذب وكان رسولاً للجهاد الأمين واستشهد شهادة حية لألوهية الرب.

